ثمّ لمّا كانوا متعجّبين من ادّعاء الرّسالة ، أنكر عليهم تعجّبهم بقوله :
أَ وَعَجِبْتُمْ
واستبعدتم
أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ
ووعظ
مِنْ
قبل
رَبِّكُمْ
اللّطيف بكم
عَلى
لسان
رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ
ويحذّركم من عقوبة اللّه على الشّرك به والطّغيان عليه .
ثمّ أنّه عليه السّلام بعد التّهديد والتّوعيد بالعذاب على الكفر ، شرع في ترغيبهم إلى الإيمان باللّه وطاعته بقوله :
وَاذْكُرُوا
نعمة اللّه عليكم
إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ
وسكّان في الأرضين متمتّعين بما فيها
مِنْ بَعْدِ
إهلاك
قَوْمِ نُوحٍ
بالطّوفان عقوبة على شركهم وطغيانهم وتكذيبهم نوحا عليه السّلام .
وقيل : إنّ المعنى : أنّ اللّه سلّطكم في محالّهم بأن جعلكم ملوكا فيها .
قيل : إنّ شدّاد بن عاد ملك معمورة الأرض « 1 » .
ثمّ بالغ في ترغيبهم بقوله :
وَزادَكُمْ
على سائر النّاس
فِي الْخَلْقِ
والجثّة
بَصْطَةً
وعظمة من حيث القامّة والقوّة .
قيل : لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم الأجرام ؛ كانت قامة الطّويل منهم مائة ذراع ، وقامة الصغير ستّون ذراعا « 2 » .
عن الباقر عليه السّلام : « كانوا كالنّخل الطّوال ، وكان الرّجل منهم ينحو « 3 » الجبل بيده فيهدم منه قطعة » « 4 » .
ألا
فَاذْكُرُوا اللَّهَ *
ونعمه الجسام عليكم ، كي يبعثكم ذكر نعمه إلى القيام بشكره ، وبذل الجهد في طاعته
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وتفوزون بالمقصد الأعلى ؛ وهو النّجاة من العذاب ، والدّخول في الجنّة والنّعم الدّائمة .
في ( الكافي ) : عن الصادق عليه السّلام : « أتدري ما آلاء اللّه ؟ » قيل : لا ، قال : « هي أعظم نعم اللّه على خلقه ؛ وهي ولايتنا » « 5 » .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 70 إلى 71 ]
قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 70 ) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 71 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 186 .
( 2 ) . تفسير الرازي 14 : 157 ، تفسير روح البيان 3 : 186 .
( 3 ) . في تفسير الصافي : ينحر ، يقال : نحا إليه ، أي مال إليه ، وأنحى عليه : أقبل عليه ، ويقال : نحر الشيء : قابله .
( 4 ) . مجمع البيان 4 : 674 ، تفسير الصافي 2 : 210 .
( 5 ) . الكافي 1 : 169 / 3 ، تفسير الصافي 2 : 211 .