تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
ثم لما بشر سبحانه بسعة رحمته ، قرره بما أراهم من إنزال الأمطار النافعة التي منها حياة كل شيء ، وفيها الشهادة على سعة رحمته ، وكمال قدرته ، وتدبيره لمصالح خلقه بقوله :
وَهُوَ
القادر المدبر الرحيم
الَّذِي يُرْسِلُ
بقدرته وحسن تدبيره
الرِّياحَ
الأربعة ، حال كونها
بُشْراً
وإعلاما للناس بما يسرون به
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
وقدام المطر المحيي للأرض
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ
الرياح وحملت بسهولة
سَحاباً
وغماما سارية في العلو ، حال كونها
ثِقالًا
بحمل الماء
سُقْناهُ
وسيرناه
لِبَلَدٍ
وإلى أرض
مَيِّتٍ
حاف « 1 » لا نبات فيها ، أو لأجل الأرض اليابسة
فَأَنْزَلْنا بِهِ
أي بسبب السحاب أو بالبلد
الْماءَ
والمطر النافع
فَأَخْرَجْنا بِهِ
من الأرض ما تعيشون به
مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
وجميع أنواعها . ثم استدل سبحانه بإحياء الأرض بعد موتها وإخراج الثمرات منها ، على إحياء الرمم ، وإخراج الموتى منها للحشر ، وجزاء الأعمال بقوله :
كَذلِكَ
الإحياء والإخراج
نُخْرِجُ الْمَوْتى
من الأرض إلى الحشر بعد إحيائهم في القبور . وإنما ضربنا لكم المثل
لَعَلَّكُمْ
أيها الناس
تَذَكَّرُونَ
وتتنبهون على أن من قدر على ذلك قدر على هذا بلا ريب . عن ابن عباس رضي الله عنه : إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى مطرت السماء أربعين يوما قبل النفخة الأخيرة مثل مني الرجال ، فينبتون من قبورهم بذلك المطر ، كما ينبتون في بطون أمهاتهم ، وكما ينبت الزرع من الماء ، حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ، ثم تلقى عليهم نومة فينائمون في قبورهم ، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية - وهي نفخة البعث - جاشوا وخرجوا من قبورهم وهم يجدون طعم النوم في رؤسهم كما يجده النائم إذا استيقظ من نومه ، فعند ذلك يقولون :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ؟
فيناديهم المنادي :
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
« 2 » .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 58 ]

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 ) ثم أنه تعالى بعد بيان رحمته العامة بإنزال المطر وإخراج الثمار من الأرض ، نبه على أن عدم نبت الثمار من الأرض الصلبة أو السبخة ليس لعدم نزول المطر عليها ، أو عدم النفع فيه ، بل إنما هو لخباثة الأرض ، وعدم قابليتها للتأثر به بقوله :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ
والأرض الخيّرة لرخاوتها ، وقوّة استعدادها
هامش
( 1 ) . كذا ، ولعلّه من قولهم : حفا شاربه ، فهو حاف ، إذا بالغ في قصّه . أو تصحيف ( جاف ) من الجفاف . وينبغي تأنيث هذه الكلمة نظرا إلى قوله : ( أرض ) ثمّ قوله : ( لا نبات فيها ) . ( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 180 ، والآية من سورة يس : 36 / 52 .