ثمّ لمّا أمرهم تهديدا بالثّبات على أعمالهم ، شرع في ذكر بعض أعمالهم القبيحة بقوله :
وَجَعَلُوا
هؤلاء المشركون
لِلَّهِ
تعالى
مِمَّا ذَرَأَ
وخلق بقدرته الكاملة في الأرض
مِنَ الْحَرْثِ
والزّرع
وَ
من
الْأَنْعامِ
الثّلاثة ؛ الإبل والبقر والغنم
نَصِيباً
وسهما ، مع أنّ الكلّ له ، ولأصنامهم التي جعلوها شركاء أنفسهم في أموالهم نصيبا
فَقالُوا
مشيرين إلى نصيب اللّه :
هذا
النّصيب
لِلَّهِ
خاصّة ، وذلك كان
بِزَعْمِهِمْ
الفاسد وادّعائهم الباطل ، لا بالحجّة والبرهان
وَهذا
النّصيب الآخر
لِشُرَكائِنا
في أمو النا من الأصنام
فَما كانَ
من النّصيب
لِشُرَكائِهِمْ
وأصنامهم
فَلا يَصِلُ
ولا يدفع شيء منه
إِلَى اللَّهِ
بل يدفع إلى سدنة « 1 » الأصنام
وَما كانَ
من النّصيب
لِلَّهِ
تعالى
فَهُوَ يَصِلُ
ويدفع
إِلى شُرَكائِهِمْ
بصرفه في سدنتها ، وذبح النّسائك « 2 » عندها .
ثمّ ذمّهم سبحانه على ذلك التّقسيم ، مع أنّ الجميع للّه ، ثمّ صرفهم نصيب اللّه في مصارف الأصنام ، بقوله :
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
بشركة الجمادات في ما خلقه اللّه ، ثمّ ترجيحها عليه تعالى .
عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : كان المشركون يجعلون للّه من حروثهم وأنعامهم نصيبا وللأوثان نصيبا ، فما كان للصّنم أنفقوه عليه ، وما كان للّه أطعموه الصّبيان والمساكين ، ولا يأكلون منه البتّة ، ثمّ إن سقط ممّا جعلوه للّه في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إنّ اللّه غنيّ ، وإن سقط ممّا جعلوه للأوثان في نصيب اللّه أخذوه وردّوه إلى نصيب الصّنم وقالوا : إنّه فقير « 3 » .
وقيل : كانوا إذا هلك ما لأوثانهم أخذوا بدله ممّا للّه ، ولا يفعلون مثل ذلك في ما للّه عزّ وجلّ « 4 »
وقيل : إنّه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للأصنام في نصيب اللّه سدّوه ، وإن كان على ضدّ ذلك تركوه « 5 » .
وقيل : إنّهم كانوا إذا أصابهم القحط استعانوا بما للّه ، ووفّروا ما جعلوا لشركائهم « 6 » .
وقيل : إن زكا ونما نصيب الآلهة جعلوه لها وقالوا : لو شاء اللّه زكّا نصيب نفسه ، وإن زكا نصيب اللّه ولم يزك نصيب الآلهة قالوا : لا بدّ لآلهتنا من نفقة ، فأخذوا نصيب اللّه وأعطوه السّدنة « 7 » .
أقول : لا تنافي بين الوجوه لإمكان أنّ جميعها كان عملهم ، وبعض الوجوه مرويّ عن أئمّتنا « 8 » .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 137 ]
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 137 )
هامش
( 1 ) . أي خدمة الأصنام .
( 2 ) . النّسائك والنّسك : جمع النّسيكة ، وهي الذبيحة .
( 3 و 4 و 5 ) . تفسير الرازي 13 : 204 .
( 6 و 7 ) . تفسير الرازي 13 : 204 .
( 8 ) . راجع : مجمع البيان 4 : 571 ، تفسير الصافي 2 : 160 .