ثمّ كأنّهم قالوا : ماذا تعامل معنا بعد إفراطنا في عصيانك ؟
قالَ
اللّه لهم وللشّياطين الّذين والوهم :
النَّارُ مَثْواكُمْ
ومنزل إقامتكم ، حال كونكم
خالِدِينَ فِيها
أبدا
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
عدم كونكم فيها .
قيل : هو وقت المحاسبة « 1 » ، وقيل : هي الأوقات التي يخرجون منها لشوب من حميم ، ثمّ يكون مرجعهم إلى الجحيم « 2 » ، وقيل : هو وقت الانتقال من النّار إلى الزّمهرير « 3 » .
روي أنّهم يدخلون واديا فيه برد شديد ، فهم يطلبون الردّ من ذلك البرد إلى الجحيم « 4 » .
ويحتمل أن يكون المراد من المستثنى : العصاة من المؤمنين ؛ فإنّهم من أولياء الشّيطان ، ولا خلود لهم .
وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : استثنى اللّه قوما سبق في علمه أنّهم يسلمون ويصدّقون النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 5 » .
ثمّ لمّا كان مجال توهّم الظّلم في تخليد الكفّار في النّار ، دفعه سبحانه بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ
في فعاله لا يصدر منه الظّلم ، وإنّما يعاقب على حسب الاستحقاق
عَلِيمٌ
بأحوال الثّقلين وأعمالهم ،
وبما يستحقّون من الجزاء
وَكَذلِكَ
التولّي الذي كان بين الجنّ والإنس ، أو الذي بين اللّه تعالى وبين المؤمنين
نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً
آخر منهم .
قيل : يعني نجعل المحبّة والنّصرة بينهم « 6 » ، وقيل : نكل بعضهم إلى بعض في القيامة « 7 » ، وقيل : نقرن بينهم في النّار ؛ كلّ ذلك للسّنخيّة التي تكون بينهم طينة واعتقادا وأخلاقا وعملا ، وقيل : يعني نسلّط بعضهم على بعض ، فنأخذ من الظالم بالظّالم « 8 » .
عن ( الكافي ) : عن الباقر عليه السّلام : « ما انتصر اللّه من ظالم إلّا بظالم ، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ :
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً »
« 9 » .
وعن القمّي رحمه اللّه قال : « نولّي كلّ من تولّى أولياءهم فيكونون معهم » « 10 » جزاء
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
ويرتكبون من الظلم والقبائح .
قيل : إنّ الآية تدلّ على أنّ الرعيّة إذا كانوا ظالمين ، سلّط اللّه عليهم ظالما مثلهم ، وأيضا تدلّ على أنّه لا بدّ في الخلق من أمير ؛ لأنّه تعالى إذا لم يخل أهل الظّلم من أمير ظالم ، فبأن لا يخلي أهل
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 13 : 192 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 103 .
( 3 ) . تفسير الرازي 13 : 192 ، تفسير روح البيان 3 : 103 .
( 4 ) . تفسير الرازي 13 : 192 .
( 5 ) . تفسير الرازي 13 : 192 .
( 6 ) . تفسير الرازي 13 : 193 .
( 7 ) . مجمع البيان 4 : 565 .
( 8 ) . تفسير روح البيان 3 : 104 .
( 9 ) . تفسير العياشي 2 : 118 / 1487 ، الكافي 2 : 251 / 19 ، تفسير الصافي 2 : 158 .
( 10 ) . تفسير القمي 1 : 216 ، وزاد فيه : يوم القيامة ، تفسير الصافي 2 : 158 .