ثمّ بالغ سبحانه في توضيح شدّة إصرارهم على الكفر والعناد ، وعدم إيمانهم بأعظم الآيات بقوله :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ
شاهدين على صدقك كما اقترحوه
وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى
بعد إحيائهم بدعائك في صدقك ووجوب الإيمان بك ، بل
وَ
لو
حَشَرْنا
وجمعنا
عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ
من موجودات هذا العالم من الجمادات والنّباتات والحيوانات ، أو ممّا يدبّ في الأرض ، حال كونهم
قُبُلًا
وأفواجا ، أو كفلاء بصدق دعوتك ، وصحّة نبوّتك ، وعن القمّي رحمه اللّه : أي عيانا « 1 »
ما كانُوا
مع مشاهدة تلك الآيات
لِيُؤْمِنُوا
بك بالطّوع والرّغبة أبدا
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
إيمانهم بالقهر والإجبار ، فلا فائدة في إجابة مسؤولهم من إنزال الآيات ، إذ ليس غرضهم من سؤالها إلّا التهكّم والتّعنّت ، كما هو معلوم عندك وعند قليل من المؤمنين كعليّ عليه السّلام
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
لقصورهم
يَجْهَلُونَ
هذه الدّرجة من خبث ذاتهم ورذالة أخلاقهم ، فيطمعون في إيمانهم ، أو المراد : أنّ أكثر المشركين الّذين يسألون الآيات ، يجهلون أنّها لو جاءتهم لا يؤمنون .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 )
ثمّ لمّا كان لجاج القوم سببا لملالة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، سلّى سبحانه قلبه الشّريف ببيان كون هذه البليّة عامّة بقوله :
وَكَذلِكَ
التّزيين الذي جعلناه لأعمال الأمم ، أو كذلك العدوّ الذي جعلناه لك
جَعَلْنا
في كلّ عصر
لِكُلِّ نَبِيٍّ
من الأنبياء
عَدُوًّا
ومبغضين ، كانوا هم
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
ومردتهما . كما عن ابن عبّاس « 2 » .
وعن الصادق عليه السّلام : « من لم يجعله اللّه من أهل صفة الحقّ ، فأولئك شياطين الإنس والجنّ » « 3 » .
عن الصادق عليه السّلام : « ما بعث اللّه نبيّا إلّا وفي أمّته شيطانان يؤذيانه ويضلّان النّاس بعده ، فأما صاحبا نوح فنيطيفوس وخرّام ، وأمّا صاحبا إبراهيم فمكثل ورزام ، وأمّا صاحبا موسى فالسّامري ومر عقيبا ، وأمّا صاحبا عيسى فبولس ومرينون ، وأمّا صاحبا محمّد فحبتر وزريق » « 4 » .
قيل : حبتر كثعلب وزنا ومعنى ، كنّى به عن رجل كثير الحيلة ، وبزريق عن آخر في عينه زرقة « 5 » .
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 1 : 213 ، تفسير الصافي 2 : 149 .
( 2 ) . مجمع البيان 4 : 544 عن الحسن وقتادة ومجاهد .
( 3 ) . الكافي 8 : 11 / 1 ، تفسير الصافي 2 : 150 .
( 4 ) . تفسير القمي 1 : 214 ، تفسير الصافي 2 : 149 .
( 5 ) . تفسير الصافي 2 : 150 .