ثمّ أنّه تعالى - لمّا ذمّ أهل الكتاب ، بكونهم ضالّين في أنفسهم مضلّين لغيرهم - أمر المؤمنين بالسّعي في إرشاد غيرهم ، والاهتمام بهداية أبناء نوعهم ، بعد أمرهم بالثّبات على الإيمان ، والسّعي في تكميل أنفسهم ، والقيام بطاعة ربّهم ، على خلاف أهل الكتاب ، بقوله :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
وجماعة كاملة النّفس ، عالمة بالمعارف الإلهيّة والأحكام الشّرعيّة
يَدْعُونَ
النّاس
إِلَى الْخَيْرِ
وما فيه صلاح الدّين والدّنيا ، من التّديّن بالإسلام ، والتزام الطّاعات ، والتّخلّق بالأخلاق الكريمة ، والتنزّه من الصّفات الذّميمة
وَيَأْمُرُونَ
العباد
بِالْمَعْرُوفِ
وما استحسنه الشّرع والعقل
وَيَنْهَوْنَ
الجهّال
عَنِ
ارتكاب
الْمُنْكَرِ
وما استقبحه الشّرع والعقل . وفي تخصيصهما بالذّكر إيذان بغاية فضلهما .
ثمّ وعدهم بأفضل الثّواب بقوله :
وَأُولئِكَ
الجماعة القائمة بالدّعوة إلى اللّه بأصنافها
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
والفائزون إلى كلّ « 1 » مطلوب .
في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « من أمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر [ كان ] خليفة اللّه في أرضه ، وخليفة رسوله ، وخليفة كتابه » « 2 » .
وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر » .
وعنه عليه السّلام : « من لم يعرف بقلبه معروفا ، ولم ينكر منكرا ، نكّس وجعل أعلاه أسفله » « 3 » .
وعن الصادق عليه السّلام : « الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر خلقان من خلق اللّه تعالى ، فمن نصرهما أعزّه اللّه ، ومن خذلهما خذله اللّه » « 4 » .
أقول : يحتمل أن يكون المراد من قوله : ( خلقان من خلق اللّه ) أنّهما حكمان من أحكام اللّه ، أو أنّهما موجودان من الموجودات الجوهريّة في عالم الصّور ، يظهران في القيامة بصورتهما المثاليّة ، كما تظهر الصّلاة والصّوم بصورة ، والقرآن بصورة .
وعن ( التهذيب ) : عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « لا يزال النّاس بخير ما أمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، وتعاونوا على البرّ [ والتقوى ] ، فإن لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات ، وسلّط بعضهم على
هامش
( 1 ) . كذا ، والظاهر : والفائزون بكلّ .
( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 168 .
( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 168 .
( 4 ) . الكافي 5 : 59 / 11 ، تفسير الصافي 1 : 339 .