ثمّ بالغ سبحانه في بيان شدّة لجاجهم وطغيانهم بقوله :
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً
- وقد مرّ تفسير القضيّتين في سورة البقرة « 1 » -
وَقُلْنا لَهُمُ
بلسان نبيّهم
لا تَعْدُوا
ولا تتجاوزوا حدود اللّه
فِي
يوم
السَّبْتِ
باصطياد الحيتان
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ
على العمل بأحكام التّوراة عموما ، أو ترك الصّيد في السّبت
مِيثاقاً
وعهدا
غَلِيظاً
وكيدا .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 155 ]
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 155 )
ثمّ نقضوا الميثاق ، وخالفوا التّوراة ، واصطادوا في السّبت
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
وبسبب خلفهم عهدهم
وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ
وحججه الظّاهرة من القرآن ، أو جميع المعجزات ، أو خصوص آيات التّوراة الدّالّة على صفات النبيّ
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ
كزكريّا ويحيى
بِغَيْرِ حَقٍّ
مع ظهور نبوتهم لهم
وَقَوْلِهِمْ
في مقام اللّجاج جوابا لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله :
قُلُوبُنا غُلْفٌ
ومغشّاة ، أو أوعية العلم ، ومع ذلك لا خير فيها من نبوّتك .
ثمّ ردّهم اللّه بقوله :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ
وختم
عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
وجحودهم ، فحجبت عن العلم خذلانا من اللّه ، وقست بحيث لا تؤثّر فيها الدّعوة والموعظة ، ولذا
فَلا يُؤْمِنُونَ
بالأنبياء
إِلَّا قَلِيلًا
منهم كموسى وعزيرا ، أو إيمانا قليلا لا يعبأ به .
قيل : إنّ التّقدير : أنه بسبب هذه المعاصي لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 156 ]
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ( 156 )
وَ
كذا
بِكُفْرِهِمْ
وإنكارهم قدرة اللّه على خلق الولد بغير أب
وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ
بنت عمران
بُهْتاناً عَظِيماً
وفرية في غاية القباحة من نسبة احتبالها إلى الزّنا ، مع أنّ اللّه تقبّلها بقبول حسن لخدمة البيت المقدّس ، وكفّلها زكريّا ، وشهد بطهارتها ، وتكلّم عيسى في المهد ، إلى غير ذلك من الأدلّة القاطعة عند اليهود على أنّ هذا القول في حقّها بهت صرف .
في نقل بهتان الفخر الرازي على الشيعة وتكذيبه
قال الفخر الرازي ، بعد ذكر براءة مريم من كلّ ريبة : فلا جرم وصف اللّه تعالى طعن اليهود فيها بأنّه بهتان عظيم ، وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنّه بهتان عظيم ، حيث قال :
سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
« 2 » وذلك يدلّ على أنّ الرّوافض
هامش
( 1 ) . تقدم في تفسير الآيتين ( 63 و 93 ) من سورة البقرة .
( 2 ) . النور : 24 / 16 .