تضيّع تلك الإضاعة ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول :
أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا »
« 1 » .
أقول : الظّاهر أنّ الرّوايتين ناظرتان إلى نفي التّوقيت بوقت الفضيلة .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 104 ]
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 104 )
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان وجوب قتال الكفّار ، وشدّة عداوتهم ، وكيفيّة الصّلاة فيهم ، أمر بالجدّ في قتالهم ، ونهى عن التّهاون فيه بقوله :
وَلا تَهِنُوا
ولا تضعفوا أيّها المؤمنون
فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ
الكافرين الّذين دونكم ، وجدّوا في طلبهم ، واجتهدوا في قتالهم ، ولا تخافوا من الآلام التي تصيبكم ، فإنّكم
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ
من الجراحات التي تصيبكم في حربهم
فَإِنَّهُمْ
أيضا
يَأْلَمُونَ
من الجراحات التي تصيبهم منكم
كَما تَأْلَمُونَ
من الجراحات التي تصيبكم منهم ، وهم مع ذلك لا يفترون عن قتالكم ، ولا يتهاونون فيه ، مع أنّكم وهم سواء في ما يوجب الخوف
وَ
أنتم
تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ
بجهادكم ، وما يصيبكم من الآلام والمشاقّ
ما لا يَرْجُونَ
من الثّواب والأجر ؛ لأنّكم تعتقدون بدين الإسلام ودار الجزاء ، وتعلمون أنّ لكم بالجهاد درجات عظيمة عند اللّه في الآخرة ، والمشركون لا يعتقدون بشيء من ذلك ، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر ودار الجزاء صابرين على قتالكم مجدّين فيه ، فأنتم أولى بالجدّ والصبر عليه منهم
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بصلاح دينكم ودنياكم
حَكِيماً
في ما يأمركم وينهاكم ، وفي تدبير أموركم .
عن القمّي رحمه اللّه : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا رجع من وقعة أحد ودخل المدينة ، نزل [ عليه ] جبرئيل فقال : يا محمّد ، إنّ اللّه يأمرك أنّ تخرج في إثر القوم ، ولا يخرج معك إلّا من به جراحة ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مناديا ينادي : يا معشر المهاجرين والأنصار ، من كانت به جراحة فليخرج ، ومن لم يكن به جراحة فليقم ، فأقبلوا يضمّدون جراحاتهم ويداوونها ، فأنزل اللّه على نبيّه
وَلا تَهِنُوا
الآية « 2 » .
وقيل : إنّها نزلت في بدر الصّغرى « 3 » . وقد مضت كلتا القضيتين في سورة آل عمران .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 105 إلى 106 ]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 )
هامش
( 1 ) . الكافي 3 : 270 / 13 ، تفسير الصافي 1 : 458 ، والآية من سورة مريم : 19 / 59 .
( 2 ) . تفسير القمي 1 : 124 ، تفسير الصافي 1 : 459 .
( 3 ) . تفسير أبي السعود 2 : 228 ، تفسير روح البيان 2 : 277 .