تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
ثمّ بيّن سبحانه ما يوجب استبعاد كفرهم بقوله :
وَشَهِدُوا
قيل : إنّ المراد وبعد أن شهدوا واعترفوا في مجامع النّاس ومشاهدهم ، أو والحال أنّهم اعترفوا
أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ
ودعواه صدق
وَجاءَهُمُ
من القرآن وسائر المعجزات وخوارق العادات
الْبَيِّناتُ
والشّواهد الواضحات على صدقه ، بحيث لم يتوهّم في حقّهم الشّبهة فيه ، وفي صحّة دينه ، فكان ارتدادهم من أقبح القبائح ؛ لأنّ زلّة العالم أقبح من زلّة الجاهل ، وكفرهم ورجوعهم عن الإسلام غاية الظّلم على النّفس
وَاللَّهُ لا يَهْدِي
إلى الحقّ ، ولا يوفّق للخير
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
المتمرّنين على الظّلم ، المصرّين على الفساد ، المنهمكين في الشّهوات ، لغاية خبث ذاتهم ، ورذالة صفاتهم .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 87 إلى 88 ]

أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) ثمّ بالغ سبحانه في التّهديد والوعيد بقوله :
أُولئِكَ
المرتدّون
جَزاؤُهُمْ
المقرّر على مقتضى استحقاقهم
أَنَّ عَلَيْهِمْ
استقرّت
لَعْنَةَ اللَّهِ
والبعد عن رحمته ، الموجب للحرمان عن النّعم الأخرويّة ، وللعذاب بالنّار
وَ
عليهم لعنة
الْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
. قيل : إنّ المراد خصوص المؤمنين منهم ، وقيل : إنّ المراد هو العموم ، حيث إنّ الكفّار أيضا يلعنون في الدّنيا كلّ مبطل كافر ، غير أنّهم يدّعون أنهم أنفسهم مؤمنون محقّون . كما أنّ ظالمي آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله يلعنون ظالميهم ويدّعون أنّهم غيرهم ، حال كونهم
خالِدِينَ فِيها
قيل : أي مقيمين في اللّعنة ، وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : خالدين في جهنّم « 1 » أبدا
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ
في جهنّم
الْعَذابُ
الشّديد
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
ويمهلون ساعة ، ولا يؤخّرون لحظة .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 89 ]

إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) ثمّ دفع اللّه سبحانه توهّم أنّ اللّعنة الدّائمة والعذاب الخالد لكلّ من تلبّس بالكفر والارتداد ، وإن تاب وأسلم بقوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
ورجعوا إلى الإسلام الحقيقي
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
الكفر والارتداد ، وآمنوا عن صميم القلب
وَأَصْلَحُوا
قلوبهم وأعمالهم الفاسدة ، فإنّهم تقبل توبتهم ، ويتفضّل عليهم
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
للذّنوب
رَحِيمٌ
بعباده الصّالحين . عن الصادق عليه السّلام : « نزلت الآيات في رجل من الأنصار يقال له الحارث بن سويد بن الصّامت ، وكان
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 129 .