تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
للعبادة ، لا إله ولا معبود سواه - وإنّما قدّمه لأنّه الأصل في الدّيانات
وَ
آمنّا بجميع
ما أُنْزِلَ
من عند اللّه
عَلَيْنا
من القرآن والمعارف والعلوم والأحكام . وقيل : إنّ المراد من الضّميرين نفسه المقدّسة ، وإنّما امر أن يعبّر عن نفسه بضمير الجمع لإظهار جلالة قدره ، ورفعة محلّه ، كما هو الدّأب في تكلّم الملوك « 1 » . وإنّما قدّم الإيمان بما انزل إليه على الاعتراف بصدق ما انزل على غيره من قبل ؛ لأنّه المعروف له ، والمبتلى به فعلا . ثمّ شهد بصدق ما انزل على غيره من الأنبياء بقوله :
وَ
آمنّا بكلّ
ما أُنْزِلَ
من اللّه
عَلى
أنبيائه
إِبْراهِيمَ وَ
ابنيه
إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَ
ولده
يَعْقُوبَ
من الصّحف والأحكام والسّنن
وَ
على
الْأَسْباطِ
الاثني عشر ؛ حفدة يعقوب ، وفيهم كثير من الأنبياء .
وَ
آمنّا بكلّ
ما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى
من التّوراة والإنجيل ، والمعجزات التي ظهرت بأيديهما - وتخصيصهما بالذّكر ، مع كونهما من الأسباط ، لعلوّ شأنهما ، وكون الكلام مع اليهود والنّصارى -
وَ
بما أوتي
النَّبِيُّونَ
غير المذكورين
مِنْ
مواهب
رَبِّهِمْ
ومليكهم اللّطيف بهم . ولمّا لم يكن فرق بينهم في دلائل صدق النّبوّة ، وشواهد الرّسالة ، فنحن أيضا
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
في الإيمان والتّصديق ، كما فرّق اليهود والنّصارى بينهم ، بأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض ؛ وذلك لأنّا للّه منقادون
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
بخلاف أهل الكتابين فإنّهم لهوى أنفسهم متّبعون ، وباللّه مشركون . ثمّ لا يذهب عليك أنّه لا منافاة بين الإيمان بنبوّة الأنبياء السّابقة وصحة دينهم ، وبين الاعتقاد بانقضاء مدّة نبوّتهم ونسخ دينهم ، لوضوح أنّ المراد من الإيمان الاعتراف بصحّة نبوّتهم المؤقتة ، ووجوب الالتزام بدينهم على جميع أممهم . وفي الاقتصار على تصديق الأنبياء السّابقين إشعار بختم النّبوّة والدّين به صلّى اللّه عليه وآله وبدينه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 85 ]

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) ثمّ قرّر سبحانه كون الإسلام دين اللّه دون غيره ، بتشديد التّهديد على مخالفته والتّديّن بغيره ، بقوله :
وَمَنْ يَبْتَغِ
ويختار لنفسه
غَيْرَ
دين
الْإِسْلامِ
الذي قد سبق أنّ حقيقته التّوحيد الخالص ، والتّسليم لأحكام اللّه وطلب مرضاته
دِيناً
ينتحل إليه ، كالوثنيّة واليهوديّة والنّصرانيّة وغيرها
فَلَنْ
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 58 .