تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وقال الفخر الرازي : الصّعيد الطّيّب : هو الأرض التي لا سبخة فيها « 6 » . وقال البيضاوي ، في تفسير الآية : فتعمّدوا شيئا من وجه الأرض [ طاهرا ] « 7 » . والحاصل : أنّه لا شبهة في أنّ لفظ الصّعيد في اللّغة : مطلق وجه الأرض ، وعليه جلّ اللّغويّين وأكثر المفسّرين ، وأنّه قد يستعمل في خصوص التّراب إما مجازا وإمّا من باب إطلاق الكلّي على الفرد . وعليه يحمل كلام بعض اللّغويّين ممّن قال إنّه التّراب ، لوضوح أن مقصود اللّغوي بيان مورد الاستعمال ، لا خصوص المعنى الموضوع له اللّفظ ، ولذا نقل ذلك البعض استعماله في مطلق وجه الأرض أيضا ، كما لا ريب أنّه المراد من قوله تعالى :
فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً
« 8 » ومن قوله تعالى :
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
« 9 » . وعليه جميع المفسّرين ، وإنّما فسّره بعضهم بالتّراب في الآية بتوهّم كون كلمة ( منه ) في آية المائدة « 10 » قرينة على إرادة التّراب منه في الآية « 11 » . وهو ممنوع للإجماع على جواز التّيمّم بالرّمل والحجر والمدر وسائر أجزاء الأرض عند فقد التّراب . وكلمة ( منه ) - على فرض إرادة التّبعيض منها - تدلّ على اعتبار العلوق « 12 » ، ولا يلزم منه إرادة التّراب « 13 » ، لإمكان كون العلوق من غيره . وليس في أغلب أخبار بيان التّيمّم إلّا لفظ الأرض ، وما في قليل منها من لفظ التّراب لا مفهوم له يوجب تقييد مطلقات لفظ الأرض . وأما الأخبار الامتنانية ، فما هو الثّابت من طريق أصحابنا فهو قوله صلّى اللّه عليه وآله : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » « 14 » وأمّا ما روي من قوله : « جعلت لي الأرض مسجدا ، وترابها طهورا » « 15 » فلم تثبت صحّته ، مع وضوح بطلان مضمونه ، لما ذكرنا من اتّفاق النّصوص والفتاوى على جواز التّيمّم بغير التّراب عند فقده ، فالأرض جميعها طهور ، لا خصوص ترابها ، إنّما الكلام في الترتيب بينه وبين غيره من أجزاء الأرض وعدمه ، نعم لو كان قوله : « وترابها طهورا » صحيحا من حيث السّند ، أو مقبولا عند الأصحاب ، حملناه على صورة وجدانه ، والأخبار المطلقة على صورة فقده . ثمّ بيّن سبحانه كيفيّة التّيمّم بقوله :
فَامْسَحُوا
بباطن كفّيكم ، بعد ضربهما على الأرض مرّة
بِوُجُوهِكُمْ
من قصاص الشّعر إلى طرف الأنف
وَأَيْدِيكُمْ
من الزّند إلى رؤوس الأصابع
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً
.
هامش
. مجمع البيان 3 : 82 . ( 6 ) . تفسير الرازي 10 : 114 . ( 7 ) . تفسير البيضاوي 1 : 217 . ( 8 ) . الكهف : 18 / 40 . ( 9 ) . الكهف : 18 / 8 . ( 10 ) . المائدة : 5 / 6 . ( 11 ) . تفسير الرازي 10 : 114 . ( 12 ) . العلوق : ما يعلّق باليد من التراب وغيره ، بعد الضرب عند التيمّم . ( 13 ) . زاد في النسخة : منه . ( 14 ) . أمالي الطوسي : 57 / 81 . ( 15 ) . تفسير الرازي 10 : 114 .