تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وقيل : إنّ المراد من قوله تعالى : ( من ) زمان قريب قبل أن يشرب في قلوبهم حبّه ، فيطبع عليها ، فيتعذّر « 1 » عليهم الرّجوع « 2 » . ثمّ أكّد سبحانه وعده بقبول التّوبة ، بقوله :
فَأُولئِكَ
الواجدون لشرطي قبول التّوبة
يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
عملا بما كتب على نفسه
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بضمائر التّائبين من الإخلاص ، وحقيقة النّدم ، والعزم على عدم العود
حَكِيماً
في فعاله ، لا يمكن صدور عقوبة التّائبين منه ؛ لمنافاتها حكمته وكرمه .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 18 ]

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 ) ثمّ بيّن اللّه سبحانه زمان عدم قبوله التّوبة فيه ، والمعصية التي لا تقبل التّوبة منها ، بقوله :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
المقبولة
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
ويشتغلون بالذّنوب ويديمون عليها ، لاهين عن ذكر اللّه وعن التّوبة
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
وشاهد علاماته ، وعاين أهواله ، وصار معرفته باللّه وعلمه بدار الجزاء ضروريا ،
قالَ
عند رؤية بأس اللّه :
إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
من ذنوبي
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ
حين موتهم ومعاينتهم الآخرة
كُفَّارٌ
وغير مستأهلين لقبول توبتهم وإن آمنوا بعده ، لقوله :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
« 3 »
أُولئِكَ
الفريقان
أَعْتَدْنا
وهيّأنا
لَهُمْ
في الآخرة
عَذاباً
دائما
أَلِيماً
موجعا في الغاية . فسوّى سبحانه بين المؤمن الفاسق المسوّف للتّوبة إلى وقوعه في سكرة الموت ، وبين الكافرين الّذين لا يؤمنون ولا يتوبون إلى رؤية ملك الموت ، في عدم قبول التّوبة واستحقاق العذاب الأليم . قيل : إنّ المراد من الّذين يعملون السّيّئات المنافقون ، لدلالة قوله تعالى :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
« 4 » ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
« 5 » ، ولدلالة روايات كثيرة على شمول الرّحمة والشّفاعة لعصاة المؤمنين . أقول : يمكن أن يكون المراد منه خصوص من أخرجته سيّئات أعماله من الإيمان إلى الكفر عند
هامش
( 1 ) . في النسخة : فيعتذر . ( 2 ) . تفسير البيضاوي 1 : 206 . ( 3 ) . المؤمن : 40 / 85 . ( 4 ) . الزمر : 39 / 53 . ( 5 ) . النساء : 4 / 48 .