ثمّ لمّا كانت الخيانة نقض عهد اللّه ، وإنكار أخذ الأمانة مستلزما للأيمان الكاذبة غالبا ، هدد اللّه عليهما بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
ويستبدلون
بِعَهْدِ اللَّهِ
وميثاقه ، [ سواء ] كان على الإيمان بالرّسول أو الوفاء بالأمانات أو غيرهما
وَأَيْمانِهِمْ
الكاذبة ، سواء كانت على إنكار أخذ الأمانة ، أو على أنّهم يؤمنون بالرّسول وينصرونه . ويأخذون بعوض الوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وبرّ اليمين
ثَمَناً
وبدلا
قَلِيلًا
من متاع الدّنيا ، والرّئاسات الباطلة .
أُولئِكَ
المتخلّقون بتلك الأخلاق الذّميمة ، المتّصفون بتلك الصّفات القبيحة
لا خَلاقَ
ولا نصيب
لَهُمْ
من النّعم والرّحمة
فِي الْآخِرَةِ
والدار الباقية
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
بما يسرّهم ، أو بكلام أصلا ، وإنّما يقع ما يقع من السّؤال والتقريع والتّوبيخ في أثناء الحساب ، من الملائكة .
وقيل : إنّ المراد أنّهم لا ينتفعون بكلمات اللّه وألطافه ، وقيل : إنّ الجملة كناية عن شدّة الغضب والسّخط « 1 » .
وَلا يَنْظُرُ
اللّه
إِلَيْهِمْ
بنظر الرّحمة والرّأفة
يَوْمَ الْقِيامَةِ
لغاية سقوطهم وهوانهم
وَلا يُزَكِّيهِمْ
ولا يطهّرهم من أوساخ الأوزار ، ودنس الذّنوب ، كما يطهّر المذنبين من المؤمنين
وَلَهُمْ
بحسب الاستحقاق
عَذابٌ
بالنّار
أَلِيمٌ
وموجع في الغاية .
روي أنّها نزلت في أبي رافع ، ولبابة بن الحقيق ، وحيي بن أخطب ، حرّفوا التّوراة ، وبدّلوا نعت الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وأخذوا الرّشوة على ذلك « 2 » .
وقيل : نزلت في الأشعث بن قيس ، حيث كان بينه وبين رجل نزاع في بئر ، فاختصما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقال له : « شاهداك ، أو يمينه » فقال الأشعث : إذن يحلف ولا يبالي . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « من حلف على يمين يستحق بها مالا ، هو فيها فاجر ، لقي اللّه وهو عليه غضبان » « 3 » .
وقيل : نزلت في رجل أقام سلعة في السّوق ، فحلف لقد اشتراها بما لم يكن اشتراها به « 4 » .
والجمع بين الرّوايات أنّ جميع الوقائع لاقترانها كان شأن النّزول .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 78 ]
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 78 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 105 .
( 2 و 3 و 4 ) . تفسير أبي السعود 2 : 51 .