تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
وقيل : إنّ المراد من المأمونين : النّصارى ، ومن الخائنين : اليهود ، لكون الغالب فيهم الخيانة « 1 » . ثمّ ذكر سبحانه علّة خيانتهم بقوله :
ذلِكَ
العمل القبيح من الخيانة ، وترك أداء الأمانة وشيوعه فيهم ، معلّل
بِأَنَّهُمْ قالُوا
تعصّبا وعنادا وغرورا :
لَيْسَ عَلَيْنا فِي
شأن
الْأُمِّيِّينَ
والعرب الذين ليسوا من أهل العلم والكتاب
سَبِيلٌ
ومؤاخذة وعتاب من اللّه . روي أنّ اليهود بايعوا رجالا في الجاهليّة ، فلمّا أسلموا طالبوهم بالأموال ، فقالوا : ليس لكم علينا حقّ ؛ لأنّكم تركتم دينكم « 2 » .
وَ
هم لخبث ذاتهم
يَقُولُونَ
ويفترون
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
حيث إنّهم كانوا ينسبون هذا القول الباطل إلى التوراة
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أنّ هذا القول والنّسبة كذب وفرية .

في وجوب ردّ الأمانة ولو إلى الكافر

روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « كذب أعداء اللّه ، ما من شيء كان في الجاهليّة إلّا وهو تحت قدمي ، إلّا الأمانة فإنّها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر » « 3 » . أقول : فيه دلالة على وجوب ردّ الأمانة ، ولو إلى الكافر الحربي غير المحترم المال . ويعاضده روايات أخر ، وقد عمل بها الأصحاب ، وادّعي عليه الشّهرة ، ونسب قول أبي الصّلاح - القائل بعدم الوجوب - إلى الشّذود « 4 » .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 76 ]

بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 76 ) ثمّ لمّا كان هذا الافتراء مبنيّا على ادّعائهم أنّهم أبناء اللّه وأحبّاؤه ، ردّ اللّه عليهم بقوله :
بَلى
عليكم في الأمّيين سبيل ، ولستم أحبّاء اللّه ، إنّما أحبّاؤه كلّ
مَنْ أَوْفى
وعمل
بِعَهْدِهِ
وتكاليفه وأحكامه
وَاتَّقى
الشّرك والخيانة في الأمانة
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
ويثيب المتحرّزين عن الخيانة ونقض العهود . عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق ، حتّى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، [ وإذا خاصم فجر ] » « 5 » .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 77 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 )
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 50 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 102 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 102 . ( 4 ) . راجع مفتاح الكرامة 6 : 40 ، جواهر الكلام 27 : 124 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 2 : 52 .