تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
إعادتهم أقدر . فظهر أنّ معرفة المبدأ والمعاد ، ووظائف العبوديّة ، ووجوب القيام بها نتيجة التّفكّر في الآفاق والأنفس . ثمّ لمّا كان على المؤمن بعد معرفة اللّه ، وظهور عظمته في قلبه ، غاية التّخضّع ، وإظهار ذلّة العبوديّة - ومن الواضح أنّ أحبّ أنواعه عند اللّه الضّراعة وسؤال الحاجة ، وأنّ أهمّ الحوائج للعباد ، المؤمنين بالمعاد ، النّجاة من العذاب ، والسّلامة من العقاب - حكى اللّه بعد مدحهم بالتّفكّر والمعرفة والتّسبيح ، ضراعتهم ومسألتهم النّجاة من النّار بقوله :
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
الذي أعددته للكافرين بك ، والجاحدين لربوبيّتك ، واحفظنا منه بالتّوفيق للاجتناب عن الزّلّات والمعاصي ، حيث إنّه لا تسلم نفس من اقتراف الذّنوب مع خذلانك ، ولا يرجى النّجاة من المهالك إلّا بحفظك ، فإنّ النّفس أمّارة بالسّوء ، والشّيطان عدوّ مبين . قيل : في ذكر ( الفاء ) إشعار بترتّب هذا السّؤال على الذّكر والفكر ، وحصول المعرفة الكاملة ، كأنّهم قالوا : وإذ عرفنا سرّك ، وأطعنا أمرك ، ونزّهناك عمّا لا يليق بك ، فاحفظنا من عذاب النّار الذي هو جزاء من لا يعرفك .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 192 ]

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) ثمّ لمّا كان الالتفات بعظم الحاجة موجبا لقوّة الدّاعي في الطلب والإلحاح ، حكى عنهم ذكر عظمة مطلوبهم بقوله :
رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
غاية الخزي ، وأبعدته من مقام قربك ، وحرمته من ساحة رحمتك ، وأهنته بين خلقك ، وفضحته على رؤوس الأشهاد ، وأهلكته أبد الآباد . وفي التّصدير بالنّداء مبالغة في التّضرّع ، وإلحاح في الدّعاء ، وفي توصيفه بالرّبوبيّة وإضافتها إلى ضمير المتكلّم استرحام واستعطاف . وفي التّأكيد ب ( إنّ ) إظهار لكمال اليقين بمضمون الجملة ، وإيذان بشدّة الخوف . وفي ذكر النّار موضع الإضمار إشعار بتهويل أمرها . وفي ذكر ( تدخل ) بدل ( تعذب ) تعيين كيفيّة التّعذيب ، وتبيين غاية فظاعته . وفي ترتيب الخزي على التّعذيب بالنّار دلالة على أنّ العذاب الرّوحاني أشدّ من الجسماني ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « هبني صبرت على عذابك ، فكيف أصبر على فراقك ؟ » « 1 » . ثمّ بالغوا في إظهار نهاية فظاعة حالهم تأكيدا لاستدعائهم ، بقوله :
وَما لِلظَّالِمِينَ
على أنفسهم بعصيانك ، حين دخولهم في النّار
مِنْ أَنْصارٍ
وأعوان كي يدفعوا عنهم العذاب .
هامش
( 1 ) . مصباح المتهجد : 847 .