تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
محفوظا وسمكا مرفوعا ، بغير عمد يدعمها ، ولا دسار « 1 » يتظمها « 2 » ، ثمّ زيّنها بزينة الكواكب ، وضياء الثواقب ، وأجرى فيها سراجا مستطيرا ، وقمرا منيرا في فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم مائر » « 3 » .
وَ
في خلق
الْأَرْضِ
على ما هي عليه في ذاتها ، وصفاتها ، وأجزائها ، وما خلق فيها من البحار والجبال والمعادن والأشجار ،
وَ
في
اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
وتعاقبهما ، وقيل : اختلاف لونهما وتفاوتهما بازدياد كلّ منهما ونقص الآخر ، بحسب اختلاف حال الشّمس بالنّسبة إلينا قربا وبعدا
لَآياتٍ
عظيمة ، ودلائل واضحة على وحدة خالقها ، وكمال قدرته ، وسعة علمه ، وبلوغ حكمته ، وعظم سلطانه ، وعلوّ شأنه ، ولكن لا لجميع الخلق لعمى قلوب أكثرهم ، وعدم تفكّرهم فيهان بل
لِأُولِي الْأَلْبابِ
منهم ، وذوي العقول السّليمة ، والأفهام المستقيمة الخالصة عن شوائب الأوهام والشّهوات الحيوانية ، والأهواء الزّائغة النّفسانيّة خاصّة ، لتنوّر قلوبهم ، ونفوذ بصيرتهم . قيل : لمّا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يدعو أهل مكّة إلى عبادة اللّه وحده سألوه أن يأتيهم بآية تصحّح دعواه ، فنزلت . قيل : إنّه تعالى ذكر في سورة البقرة في نظير الآية ، الآيات الثّمانية ، واكتفى هنا بذكر الثلاثة منها ؛ لأنّ السّالك إلى اللّه في أوّل الأمر لا بدّ له من تكثير الدّلائل ، فإذا استنار قلبه بنور المعرفة صار اشتغاله بالدّلائل كالحجاب له عن استغراق القلب في المعرفة ، فيصير طالبا لتقليلها . ففي الآية الأولى إشارة إلى مبدأ السّلوك ، ولذا قال هناك :
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
« 4 » وهنا :
لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ،
فإنّ لبّ العقل خالصه ومصفاه وكماله . عن ابن عمر ، قال : قلت لعائشة : ما أعجب ما رأيت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ! فبكت فأطالت ، ثمّ قالت : كلّ أمره عجيب ، أتاني في ليلة فدخل لحافي حتّى ألصق جلده بجلدي ، ثم قال لي : « يا عائشة ، هل لك أن تأذني لي في عبادة ربّي ؟ » ، فقلت : يا رسول اللّه ، إنّي لاحبّ قربك واحبّ مرادك ، قد أذنت لك ، فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ، ولم يكثر من صبّ الماء ، ثمّ قام يصلّي فقرأ من القرآن فجعل يبكي ، ثمّ رفع يديه وجعل يبكي ، حتّى رأيت دموعه قد بلّت الأرض ، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي ، فقال له : يا رسول اللّه أتبكي ، وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ! فقال : « يا بلال ، أفلا أكون عبدا شكورا ؟ » ثمّ قال : « ما لي لا أبكي وقد أنزل اللّه في هذه اللّيلة :
إِنَّ فِي خَلْقِ
هامش
( 1 ) . الدّسار : المسمار . ( 2 ) . في نهج البلاغة : ينظمها . ( 3 ) . نهج البلاغة : 41 الخطبة 1 . ( 4 ) . البقرة 2 : 164 .