تعلّقا بالأجساد المثاليّة التي هي جواهر تلك الأجساد ، سارية فيها سريان النّار في الفحم ، والدّهن في السّمسم ، والماء في الورد .
فالرّوح بهذا التّعلّق تلتذّ باللّذائذ الجسمانيّة من الأكل والشّرب وغيرهما ، وتعذّب بالنّار والعقارب والسّلاسل وغيرها ، فإذا لم يدلّ دليل قاطع على امتناع ذلك التّعلّق والحياة ، والتّنعّم والتّعذيب ، وجب المصير إليه والالتزام به ، ولا يصغى إلى الشّبهات التي أوردت على ثواب القبر والنّعم البرزخيّة بل الظّاهر أنّ أرواح الشّهداء والكاملين من المؤمنين لها تعلّق خاصّ بأبدانهم العنصريّة ، به تحفّظ من البلاء .
عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما : أنّه لمّا أراد معاوية أن يجري العين على قبور الشّهداء ، أمر بأن ينادى : من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع . قال جابر : فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان ، فإن أصابت المسحاة إصبع رجل منهم قطرت دما « 1 » . وفي ذلك روايات وحكايات كثيرة لا تحصى .
ثمّ أخبر اللّه سبحانه بلذّتهم الرحانيّة ، بقوله :
وَيَسْتَبْشِرُونَ
ويسرّون بالبشارة
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ
وبحسن حال إخوانهم وأقربائهم الّذين لم يقتلوا معهم في الجهاد ، وبقوا في الدّنيا
مِنْ خَلْفِهِمْ
ومن بعد شهادتهم ، وتقرّ عينهم بالإخبار بأنّ من حسن حالهم
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من نيل مكروه إنّ قتلوا
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على فوات مطلوب إن لم يقتلوا ؛ حيث إنّهم أيضا يفوزون بالحياة الأبديّة والنّعم الدّائمة إن ماتوا .
وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه ، في رواية : فلمّا رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ومشربهم قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النّعم ، وما صنع اللّه بنا ، كي يرغبوا في الجهاد ، فقال اللّه تعالى : أنا مخبر عنكم ، ومبلّغ إخوانكم ، ففرحوا بذلك واستبشروا ، فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » .
وعن ( الكافي ) : عن الباقر عليه السّلام ، قال : « هم واللّه شيعتنا ، حين صارت أرواحهم في الجنّة ، واستقبلوا الكرامة من اللّه عزّ وجلّ ، علموا واستيقنوا أنّهم كانوا على الحقّ ، وعلى دين اللّه عزّ وجلّ ، فاستبشروا بمن لم يلحقوا بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين » « 3 » .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 171 ]
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 93 .
( 2 ) . تفسير الرازي 9 : 90 .
( 3 ) . الكافي 8 : 156 / 146 ، تفسير الصافي 1 : 369 .