ووضحت لهم دلائل الحقّ الموجبة لاتّفاقهم واجتماعهم على الإيمان بهم ، والموادّة بينهم .
وَلكِنِ
مع ذلك - حيث لم يشأ اللّه قهرهم على التّوافق في الإيمان لكونه خلاف الحكممة ، وأتمّ النّظام -
اخْتَلَفُوا
بأهوائهم الزّائغة اختلافا شديدا فاحشا
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ
بالرّسل وما جاءوا به ، وأطاع
وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ
بهم ، وعصى
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
بعد وقوع الاختلاف بينهم ، عدم اقتتالهم
مَا اقْتَتَلُوا
بأن لم يتحرّك منهم عضو للقتال ، ولم يحدث في قلوبهم داع إليه
وَلكِنَّ اللَّهَ
بقدرته الكاملة
يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
من الخذلان والعصمة عدلا وفضلا .
عن ( الكافي ) : عن الباقر عليه السّلام : « في هذه الآية دلالة على أنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله قد اختلفوا من بعده ، فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر » « 1 » .
عن العيّاشي : سئل أمير المؤمنين عليه السّلام يوم الجمل : كبّر القوم وكبّرنا ، وهلّل القوم وهلّلنا ، وصلّى القوم وصلّينا ، فعلام نقاتلهم ؟ فتلا هذه الآية ، ثمّ قال : « نحن الّذين من بعدهم » ، وقال : « فنحن الّذين آمنّا ، وهم الّذين كفروا » « 2 » .
وفي رواية ، قال : « فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه عزّ وجلّ وبالنّبيّ والكتاب وبالحقّ ، فنحن الّذين آمنوا ، وهم الّذين كفروا ، وشاء اللّه تعالى قتالهم بإرادته ومشيئته » « 3 » .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 )
ثمّ لمّا كان في الآية السّابقة إشعار بلزوم القتال بين المؤمنين والكافرين ، ومن الواضح أنّه متوقّف على صرف المال ، أردفه بالأمر بإنفاقه ، بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا
في الجهاد ، وسائر سبل الخير ، شيئا
مِمَّا رَزَقْناكُمْ
وتفضّلنا به عليكم إحسانا وكرما .
وفيه دلالة على أنّ كل ما بأيدي النّاس من الأموال ، من مواهب اللّه وإنعامه عليهم وليس لهم شيء منها ، وعلى هذا لا ينبغي أن يصعب على أحد إنفاقه ، بل عليه أن ينفقه بسهولة وبلا منّة
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ
يوم فاقة جميع النّاس ، وغاية استئصالهم ، وهو يوم القيامة ، حيث إنّه
يَوْمٌ لا بَيْعٌ
و [ لا ]
هامش
( 1 ) . الكافي 8 : 270 / 398 ، تفسير الصافي 1 : 258 .
( 2 ) . تفسير العيّاشي 1 : 256 / 552 ، تفسير الصافي 1 : 258 .
( 3 ) . أمالي الطوسي : 198 / 337 ، تفسير الصافي 1 : 258 .