جميع الأمم أشار سبحانه وتعالى إلى أنّه عليه السّلام لم ينل هذه الكرامة إلا بالتّوحيد والطّاعة ، وأنّه مع علوّ مقامه سأل اللّه تعالى كرامته لذرّيّته ، فما أجيب في حقّ الظّالمين والعاصين منهم لعدم قابليّة الظالم والعاصي نيلها ، بقوله :
وَإِذِ ابْتَلى
وامتحن
إِبْراهِيمَ رَبُّهُ
برأفة ربوبيّته له ، وكمال عنايته به
بِكَلِماتٍ .
في ابتلاء إبراهيم عليه السّلام بكلمات ، والمراد منها
قيل : المراد بها التّكاليف الشاقّة ، والمصائب العظيمة ، كإلقائه في النّار ، والختان وهو ابن مائة وعشرين سنة ، والهجرة من الوطن المألوف ، وبناء البيت ، وذبح الولد « 1 » .
وعن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : ابتلاه اللّه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام « 2 » ؛ عشر منها في سورة براءة
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ . . .
« 3 » إلى آخره ، وعشر في الأحزاب :
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ . . .
« 4 » إلى آخره ، وعشر في سورة المؤمنون :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
إلى قوله :
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ
« 5 » .
وما عن القمّي رحمه اللّه : - هو ما ابتلاه به ممّا أراه في نومه من ذبح ولده فأتمّها إبراهيم عليه السّلام وعزم عليها وسلّم « 6 » - فمحمول على بيان أحد أفراد الكلمات .
وعن ( الخصال ) عن الصادق عليه السّلام : « هي الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه ، وهو أنّه قال :
يا ربّ أسألك بمحمّد « 7 » وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت عليّ ، فتاب [ اللّه ] عليه إنّه هو التّوّاب الرّحيم » « 8 » الخبر .
فَأَتَمَّهُنَّ :
إبراهيم عليه السّلام وامتثلهنّ وقام بهنّ حقّ القيام .
عن الصادق عليه السّلام قال : « يعني أتمّهنّ إلى القائم عليه السّلام اثني عشر إماما ، تسعة من ولد الحسين » « 9 » .
وعن ( العيّاشيّ ) قال : « أتمّهنّ بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وعليّ والأئمّة من ولد عليّ صلوات اللّه عليهم » « 10 » .
أقول : الظاهر أنّ المراد من ابتلاء إبراهيم عليه السّلام بالأسماء المباركات تكليفه بمعرفة ذواتهم المقدّسة والتّصديق بفضلهم عليه وعلى سائر الخلق ، فلمّا امتثله وكملت معرفته بهم إلى قائمهم ، صار قلبه
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 4 : 37 و 38 « نحوه » .
( 2 ) . في مجمع البيان : من شرائع الإسلام .
( 3 ) . التوبة : 9 / 112 .
( 4 ) . الأحزاب : 33 / 35 .
( 5 ) . مجمع البيان 1 : 378 ، والآيات من سورة المؤمنون : 23 / 1 - 10 .
( 6 ) . تفسير القمي 1 : 59 .
( 7 ) . في المصدر : بحق محمّد .
( 8 ) . الخصال : 305 / 84 ، معاني الأخبار : 126 / 1 .
( 9 ) . الخصال : 305 / 84 ، معاني الأخبار : 126 / 1 .
( 10 ) . تفسير العياشي 1 : 153 / 193 .