وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ
دالّات على صدقك في نبوّتك وفي جميع ما تخبر به ، موضّحات عن كفر من شكّ فيها
وَما يَكْفُرُ بِها
وما يجحدها
إِلَّا الْفاسِقُونَ
الخارجون عن طاعة اللّه وولايته ، والمتجاوزون عن كلّ حدّ مستحسن في العقل والشّرع ، فإنّ من يكون بصفة التمرّد مجترئ على الكفر بالآيات .
عن ابن عبّاس رحمه اللّه : أنّ اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قبل مبعثه ، فلمّا بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه ، فقال لهم معاذ بن جبل : يا معشر اليهود اتّقوا اللّه وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ونحن أهل الشّرك ، وتخبروننا أنّه مبعوث ، وتصفون لنا صفته . فقال بعضهم : ما جاء لنا بشيء من البيّنات ، وما هو بالذي كنّا نذكر لكم ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « 1 » .
ولعلّ المراد من الآيات القرآن وسائر المعجزات ، مثل امتناعهم عن المباهلة ، وعن تمنّي الموت ، وإشباع الخلق الكثير من الطّعام القليل ، ونبوع الماء من بين أصابعه ، وانشقاق القمر ، وغير ذلك .
ثمّ أنكر عليهم كفرهم بالآيات إعظاما له ، وعطف عليه توبيخهم على نقض عهد الأيمان بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله إذا ظهر ، وتعاهدهم على إخراج المشركين من ديارهم إذا هاجر إليهم ، وأن لا يعينوا عليه أحدا بقوله :
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً
من العهود المزبورة
نَبَذَهُ
ونقضه
فَرِيقٌ مِنْهُمْ
حيث كفروا بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ولم يؤمنوا به ، وأعانوا قريشا عليه يوم الخندق ، وليس هذا الفريق قليلا منهم
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
بنبوّته أبدا بغيا وحسدا .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 101 ]
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 )
ثمّ أنّه تعالى بعد توبيخهم على الكفر بالمعجزات ونقض العهود ، وبّخهم على كفرهم بالتّوراة وسائر الكتب السّماويّة بقوله :
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وهو محمّد صلّى اللّه عليه وآله الذي هو
مُصَدِّقٌ
ومطابق [ في ] صفاته
لِما مَعَهُمْ
من التّوراة وسائر الكتب السّماويّة
نَبَذَ
ورمى
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 3 : 199 .