تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
أقول : الأخبار الدّالّة على أنّ اليهود كانوا يظهرون العداوة لجبرئيل كثيرة من الخاصّة والعامّة ، ولا بعد فيه لكثرة جهالتهم ، حيث إنّهم الذين قالوا لموسى عليه السّلام بعد ما رأوا الآيات البيّنات :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
« 1 » ثمّ تمادوا في الجهل والغواية حتّى انتهوا إلى عبادة العجل ، وكادوا أن يقتلوا هارون . وما قيل من أنّ اليهود في الأعصار المتأخّرة منكرون معاندة أسلافهم لجبرئيل ، فهو باطل مردود ؛ لأنّ القرآن كان بمنظر ومسمع من أهل الكتاب من اليهود والنّصارى ، ولم يبارزه أحد منهم بالرّدّ والتّكذيب في هذه النّسبة ، وإلّا لنقل إلينا . اعتراض ورد فإن قيل : نزل القرآن بالاتّفاق على ظاهر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فكيف قال :
نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ؟
قلنا : نزل القرآن على ظاهره وباطنه ، ولمّا كان نزوله على باطنه أشرف وأنفع لعموم الخلق ؛ لأنّه بحفظ قلبه حفظ وبقي بين النّاس ، خصّه بالذّكر كما قال في الشعراء :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
« 2 » ثمّ بعد بيان أنّه لا جهة لعداوة جبرئيل حيث إنّه عامل بأمر اللّه ومطيع لحكمه ، بل على النّاس أن يحبّوه ويشكروه حيث إنّه واسطة لتبليغ الهداية والبشارة ، هدّد اللّه المعاندين له ، بل معاند جميع المقدّسات بقوله :
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ
بأن سبّ اللّه عدوانا ، أو خالفه ، أو عاند أولياءه ،
وَ
عدوّ
مَلائِكَتِهِ
المبعوثين لنصرتهم
وَ
عدوّ
رُسُلِهِ
المبلّغين عنه ، المخبرين بما فيه خير العامّة وصلاح الخلق في الدنيا والآخرة ،
وَ
عدوّ
جِبْرِيلَ وَمِيكالَ .
عن عكرمة : أن جبروميك وإسراف هي العبد بالسّريانيّة ، وئيل : هو اللّه « 3 » ، وتخصيصهما بالذكر بعد ذكر عموم الملائكة لفضلهما ، ولجريان ذكرهما بين الرّسول واليهود .
فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ
بعلّة كفرهم ، وعداوة هؤلاء الكفرة لا تضرّ اللّه وملائكته ورسله وأولياءه ، وعداوة اللّه لهم تضرّهم أشدّ الضّرر .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 99 إلى 100 ]

وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ ( 99 ) أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 )
هامش
( 1 ) . الأعراف : 7 / 138 . ( 2 ) . الشعراء : 26 / 193 و 194 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 188 .