تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
ضعف ، وأوّل المراتب ما يدرك به صانعه ومفزعه والمهيمن عليه ، فيحصل له خضوع وانقياد وخشية من سلب النعمة وانقطاع الفيض عنه ، ويمكن أن يستفاد من الآية أنّ كلّ حجر يسقط من مكان بلا سبب ظاهر ، يكون سقوطه بتأثير خشية اللّه فيه . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في رواية ، قال : « إنّ أبعد النّاس من اللّه القلب القاسي » « 1 » . وحاصل مدلول الآية ، أنّ الحجر تحرّكه الخشية ، والقلب القاسي لا يتحرّك بالإنذار والتخويف .
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة من أعمالكم يا معاشر أهل الكتاب ، ويجازيكم عليها ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 75 ]

أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) ثمّ لمّا كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه حريصين على إيمان النّاس خصوصا اليهود ، وهم كانوا في غاية اللجاج مع تلك الحجج الباهرة ، قال اللّه تعالى تسلية لقلب حبيبه صلّى اللّه عليه وآله ، وقطعا لطمع المؤمنين في إيمانهم :
أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا
هؤلاء اليهود
لَكُمْ
وينقادوا لدعوتكم ، ويصدّقوكم بقلوبهم
وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
في زمان موسى عليه السّلام
يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ
في طور سيناء
ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ
ويغيّرونه
مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ
وفهموه
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أنّه كلام اللّه ، وأنّهم كاذبون في تقّولهم ، مع أنّ هؤلاء كانوا خيارهم ، فكيف حال بقيّتهم ! مع أنّهم في اللجاج والعناد لا يقصرون منهم ، بل يزيدون عليهم ، فلا تحزنوا من إصرارهم على الكفر . روي أنّ فريقا من السّبعين الذين اختارهم موسى عليه السّلام لميقات ربّه ، سمعوا كلام اللّه حين كلّم موسى عليه السّلام بالطّور ، وما امر به موسى عليه السّلام ، وما نهي عنه ، ثمّ قالوا : سمعنا اللّه يقول في آخره : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا ، وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس « 2 » . فإذا كان أسلافهم بهذه المرتبة من الخباثة والأخلاق الذميمة ، فأخلافهم مماثلون لهم ، ولا يتأتّى منهم إلّا ما أتى من أسلافهم ، فلا يرجى منهم الإيمان بما أنزل اللّه لدعوتكم .
هامش
( 1 ) . سنن الترمذي 4 : 607 / 2411 ، تفسير روح البيان 1 : 165 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 166 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 279 | الشيخ محمد النهاوندي