[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 45 إلى 46 ]
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 )
ثمّ إنّ اليهود لمّا كانوا مبتلين بمرض حبّ الدنيا ، والغفلة عن اللّه والدّار الآخرة - ولذا كان تحمّل تكاليف الإسلام ، وترك الرئاسات ، والإعراض عن الجاه والمال شاقّا عليهم - بيّن اللّه دواء مرضهم بقوله :
وَاسْتَعِينُوا
على تحمّل مشاقّ التّكاليف ، ومخالفة الهوى
بِالصَّبْرِ
وكفّ النّفس عنها ، أو بالصّوم الذي هو كاسر للشّهوات ومصفّ للنّفس
وَالصَّلاةِ
التي هي ناهية عن الفحشاء ، ومعراج المؤمن ، فإنّها موجبة لتوجّه القلب إلى اللّه وعظمته وجلاله ، وحقوق نعمه وقهره ورحمته ، فتسهّل طاعته وترك معاصيه ، لأنّه كلّما أقبل القلب إلى اللّه تعالى والدّار الآخرة أعرض عن الدنيا ولذّاتها ، وكلّما استنار القلب بذكر اللّه خرج من ظلمات هوى النّفس وشهواتها ، وكلّما تفكّر في خروجه من الدنيا هانت عليه شدائدها ومصيباتها .
روي عن الصادق عليه السّلام : « ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدنيا أن يتوضّأ ثمّ يدخل مسجده فيركع ركعتين فيدعو اللّه فيهما ؟ أما سمعت اللّه يقول :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ . . »
« 1 » .
روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إذا حزبه « 2 » أمر فزع إلى الصّلاة « 3 » .
وعن ابن عبّاس ، أنّه نعي له بنت وهو في سفر فاسترجع ، وقال : عورة سترها اللّه ، ومؤنة كفاها اللّه ، وأجر ساقه اللّه . ثمّ تنحّى عن الطّريق وصلّى ، ثمّ انصرف إلى راحلته وهو يقرأ :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
« 4 » .
وَإِنَّها
أي الاستعانة بهما ، أو أنّ الصّلاة
لَكَبِيرَةٌ
وثقيلة شاقّة على النّفوس
إِلَّا عَلَى
نفوس
الْخاشِعِينَ
الخائفين من عقاب اللّه وسطواته ، فإنّ خوف العقاب يهوّن على العبد مشقّة التّكاليف .
ثمّ وصف الخاشعين بأنّهم
الَّذِينَ يَظُنُّونَ
ويعتقدون
أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
محضرون في محضر عدله وحكومته
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ
وإلى حكمه
راجِعُونَ
بعد الموت أو بعد الحشر ، لا يملك أمرهم غيره ، والتعبير بالرّجوع إليه مع أنّ الانسان لا يخرج في آن من الآنات عن حكم اللّه حتّى
هامش
( 1 ) . تفسير العياشي 1 : 133 / 143 ، مجمع البيان 1 : 217 .
( 2 ) . حزبه الأمر : نابه واشتدّ عليه .
( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 124 .
( 4 ) . تفسير روح البيان 1 : 124 .