تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
العقل وشؤون الانسانيّة وطريق الحقّ والصواب . ثمّ كأنّه قيل : من الفاسقون ؟ فعرّفهم أوّلا بفساد العقائد بقوله :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ
ويخالفون
عَهْدَ اللَّهِ
الذي أخذ منهم على توحيده ورسالة رسوله وولاية عليّ والمعصومين من ذرّيّته عليهم السّلام ، ووجوب طاعتهم ، ومحبّة المؤمنين ومودّتهم في عالم الذّرّ ، بقوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
« 1 » وفي هذا العالم بإقامة الحجج القاطعة والبراهين السّاطعة الّتي هي في حكم العهد
مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
وإحكامه ، وإتقانه . ثمّ ذمّهم ثانيا بالإساءة إلى الأقارب بقوله :
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
من الأرحام والقرابات النّسبيّة الجسمانيّة بترك تعاهدهم ومنع حقوقهم ، ومن القرابات الرّوحانيّة وهم الأنبياء والأوصياء الذين هم آباء أممهم وأشياعهم لتوليدهم روح الإيمان في قلوبهم ، ولكون طينتهم من سحالة « 2 » طينتهم الطيّبة ، والمؤمنون الذين هم إخوة حقيقة في الدنيا والآخرة ، لكونهم بجهة إيمانهم أولاد آب واحد وهو نبيّهم ، وفي تربية مربّ واحد هو الإمام والوصيّ ، وكون جميعهم مخلوقين من أصل واحد وطينة واحدة ، ولذا جعل اللّه بينهم حقوق الإخوة . في الحديث : « إذا أظهر النّاس العلم وضيّعوا العمل به ، وتحابّوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب ، وتقاطعوا الأرحام ، لعنهم اللّه عند ذلك فأصمّهم وأعمى أبصارهم » « 3 » . ثمّ ذمّهم ثالثا بفساد الأعمال بقوله :
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
بقبض الحقوق ، وتشييد الكفر ، وتضعيف الإسلام ، والصّدّ عن سبيل الحقّ ، وإلقاء الشبه في قلوب المؤمنين
أُولئِكَ
الموصوفون بتلك الصفات الذميمة
هُمُ الْخاسِرُونَ
في تجارتهم ، المغبونون في معاملتهم ، كأنّه لغاية خسارتهم لا يكون خاسر سواهم ، حيث إنّهم حرموا الجنّات والنّعيم الأبد ، ولزمهم النّيران والعذاب المخلّد . ثمّ لمّا حكى اللّه تعالى مقالة الكفّار وتهكّمهم بالقرآن ، وشدّة كفرهم ، ونهاية طغيانهم وعصيانهم ، وجّه الخطاب إليهم بالتوبيخ والتقريع بقوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وبوحدانيّته ،
وَ
الحال أنّكم
كُنْتُمْ أَمْواتاً
لا حياة لكم ، ونطفا في أصلاب آبائكم وأرحام امّهاتكم
فَأَحْياكُمْ
بخلق الأرواح ونفخها في أجسادكم بلا مزاج ، فبدأ اللّه بتذكيرهم ما هو الأصل لجميع النعم ، وهو نعمة الحياة ، لأنّه
هامش
( 1 ) . الأعراف : 7 / 172 . ( 2 ) . السّحالة : برادة الشيء أو ما يسقط منه أو قشره . ( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 88 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 237 | الشيخ محمد النهاوندي