تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
في كلامه . وقيل : إنّهم قالوا : أما يستحي ربّ محمّد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت ؟ ! فردّ اللّه عليهم بقوله :
إِنَّ اللَّهَ
في نهاية عظمته وكبريائه
لا يَسْتَحْيِي
ولا يرى على ذاته المقدّسة عيبا من
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
من الأمثال ، وأيّ مثل كان ، كان الممثّل به
بَعُوضَةً
قيل : هي أصغر من البق ، وفيها من ظهور قدرة اللّه ما لا يكون في الفيل ؛ لأنّها مع صغر حجمها لها جميع أعضاء الفيل مع زيادة جناحيها ، وخرطومها مع كونه مجوّفا وفي غاية الصغر يغوص في جلد الفيل والجاموس على ثخانته كما يغوص إصبع الرّجل في الخبيص ، وذلك لما ركّب اللّه في رأس خرطومها من السّمّ . وقيل : إنّها تحيا ما جاعت ، وتموت إذا شبعت « 1 » .
فَما فَوْقَها
وما هو الأكبر منها كالذّباب والعنكبوت وغيرهما ، فإنّ المنظور من التّمثيل توضيح المقصود وكشف المستور بالنّظير المحسوس ، ولا ينظر إلى حقارة الممثّل به وجلالته وصغره وكبره ، ولا إلى دناءته وشرفه ، بل ينظر إلى مطابقة المثل للممثّل له ، وهو حاصل في أمثال القرآن على النّحو الأتمّ الأكمل . وقيل : إنّ كلمة ( فوق ) من الأضداد ، تطلق على الأعلى والأدنى وعلى هذا يحتمل أن يكون ( ما فوقها ) بمعنى : ما دونها ، وما هو أصغر منها .
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وكتابه
فَيَعْلَمُونَ
بسبب سلامة عقولهم ، وبصيرة قلوبهم ، وطهارة نفوسهم من الحسد والعناد وحبّ الدنيا حين يسمعون المثل
أَنَّهُ الْحَقُّ
الثابت
مِنْ رَبِّهِمْ
لا مجال لإنكاره والاعتراض عليه ، لكونه في غاية الحسن والبلاغة ، وكشفه عن العلوم والحكم الكثيرة ، ونظير هذه الأمثال جاء في الكتب السّماويّة كالإنجيل وغيره .
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
باللّه وعاندوا محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وجحدوا كتابه
فَيَقُولُونَ
عند سماع المثل ، استحقارا له ، لقصور عقولهم ، وقلّة أفهامهم ، وعمى قلوبهم ، وفساد أخلاقهم :
ما ذا
وأيّ شيء
أَرادَ اللَّهُ بِهذا
المثل من حيث كونه
مَثَلًا ؟
فإن كان له نفع فضرّه يساوي نفعه ، لأنّه سبحانه
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً
من النّاس لجهلهم بموقعيّة الأمثال
وَ
إن كان
يَهْدِي بِهِ كَثِيراً
لاعتقادهم كمال حسنه وكثرة فوائده ، فردّ اللّه عليهم بقوله :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
الخارجين عن حدود
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 85 .