[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 43 إلى 44 ]
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ( 44 )
وتلك الأمثال يضربها اللّه تعالى لذي الألباب الذين يعتبرون ويتعظون ويدركون أنفسهم من صورة غيرهم ، ويؤدبوها ويصلحوها لرؤية المحاسن وأضدادها في غيرهم .
وهذا مثل ضربه اللّه تعالى وبينه للفاجر والبار ، أعطى كل واحد خيرا ربما يقل أحدهما عن الآخر خيرا ، أو لا يقل ولكن أحدهما يستكثر ما أعطاه لا ليشكره ، بل ليغتر ويحسب أنه أخذه أخذا ويذهب فرط غروره إلى أنه أخذ بفضل عقله ، وأنه لن يضيع أبدا ، ثم يذهب ليقمع غروره أو تنطفئ شعلة اغتراره ، وتبدو له الحقيقة واضحة ، وهي أنه لا يملك من الأمر شيئا ، أما الثاني صاحبه ، يذكره بأصل خلقه وأنه لم يكن شيئا مذكورا ، ويوجهه إلى الحمد والشكر على ما أعطى ، ولنترك القول لرب العالمين فهو البليغ الذي أعجز بكتابه الناس أجمعين .
قال تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً ( 32 ) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ( 33 ) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
( 36 ) .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا
بين حالا تكون فيها العبرة ، وهي حال رجلين مختلفين طاعة وعصيانا
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
، أي جعل اللّه لأحدهما جنتين من كروم ، وأحاطهما بنخل فعل كبار الملاك الذين يجعلون مزارعهم ذات جنات وعيون ونخل يحوطها كأنه سور يطوف بها ، فتكون مثمرة ، ويكون سورها مثمرا لا يكون حديدا ولا خشبا ، ولا بناء بل يكون نخلا حيا مثمرا يؤتى جناه ، وجعلنا بينهما زرعا ، ينتج بقولا وقمحا وأرزا