لقد صاروا في عزلة فكرية ، ويخشى أن يغيروا تفكيرهم وقد أصرّوا على الإيمان إصرارا ، كما أصرّ قومهم على الشرك ، و
إِذِ
ظرف متعلق بأووا ، وهو في معنى السببية لذلك الاقتران الزمنى بجواب الأمر
يَنْشُرْ
.
هذا حديث نفوسهم ، وهو إلهام من اللّه بثلاثة أمور :
الأمر الأول - الإيواء إلى الكهف حيث يبتعدون عن أذى الجبارين .
الأمر الثاني - أنهم لقوة إيمانهم باللّه أحسوا بأن اللّه تعالى لن يضيعهم أبدا ، بل إنه ينشر لهم من رحمته ، إذ يبسط لهم .
الأمر الثالث - أن قوة إيمانهم باللّه جعلتهم يحسون بأنه سيجعل لهم مرفقا يرتفقون به في وسط الكهف الذي لا يأوى إليه الآدميون إلا فرارا من أقوامهم .
قال تعالى :
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
، أي اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم ، بل إن اعتزالكم عبادتهم هو السبب الجوهري ، والباعث على اعتزالهم فإيمانكم قدمتموه على القرابة والقومية ، وقوله :
إِلَّا اللَّهَ
، قال الزمخشري :
استثناء متصل ؛ لأنهم كانوا يعبدون اللّه وغيره ، فالاعتزال كان لعبادتهم غير اللّه ، ويحتمل عنده أن يكون الاستثناء منقطعا ، وعندي أن خيرا من هذا ما قاله قتادة أن
إِلَّا
بمعنى ( غير ) ، من غير تقحم في المتصل أو المنقطع ، ومن غير ادعاء لا دليل عليه ، وهو أنهم كانوا يعبدون مع اللّه غيره ، فإن ذلك يحتاج إلى سند تاريخي ، كما هو ثابت عند العرب .
وقوله تعالى :
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
، مجزوم بجواب الأمر ، أي إن تأووا إلى الكهف فلا تخافوا جوعا ولا عطشا ولا عريا ، فإن اللّه واسع الرحمة ، يبسط لكم من رحمته وينشرها عليكم ، وشبه في هذه الرحمة السالفة بالثوب المبسوط ، التي ينشر عليكم فيعمكم ويحفظكم ويستركم ، ويقول تعالى :
لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
، أي ينشره لأجلكم وهو من رحمته التي وسعت كل شئ .