أولهم : الأرقاء والفقراء والأرذلون في معيشتهم في الدنيا ، الذين لا يملكون من أمرهم شيئا وفيهم ذلة لم يزيلوها بالإيمان .
وثانيهم : الضعفاء في تفكيرهم الذين يرضون بأدنى فكرة ويتبعون غيرهم اتباعا من غير دليل ، بل في استكانة ، وإن كانوا أقوياء في مالهم فهم ضعفاء في نفوسهم .
وثالثهم : الذين يتبعون القوة دون دليل .
يقولون للذين استكبروا من الكبراء ذوى الوجاهة والقيادة في الضلال :
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً
، وتبع جمع تابع ، أو مصدر نعت به ، ويكون معنى التعبير هو الإيغال في التبعية كأنهم لا وجود لهم
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
الفاء تدل على أن ما بعدها سبب لما قبلها ، أي بسبب هذه التبعية هل أنتم مغنون عنا عذابا من عذاب اللّه من شئ
مِنْ
الأولى للتبعيض ، ومن الثانية للاستغراق ، والاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع ، أي لستم مغنون عنا بأي قدر من عذاب .
أجاب الذين استكبروا عن الحق ، فقد أجابوا عن هذا الاستفهام الإنكارى ، الذي لا يخلو من معنى التوبيخ والملامة حيث لا لوم قائلين :
لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ
، والمعنى أننا على سواء ، لو هدانا اللّه إلى الحق لهديناكم إليه ولكنا ضللنا فضللتم ، وإنكم إذ كنتم تبعا لنا فارتضوا بما وقع لنا ، ولا يخلو هذا الكلام من إلقاء اللوم عليهم في التبعية من غير تفكير وتبرير ، وكأنهم يشيرون إليهم إلى أنهم كان عليهم أن يتبعوا عن بينة .
ثم يقولون لهم : إننا وقد وقعنا في الضلال علينا أن نذوق مغبتها طائعين ؛ لأننا مجبرون ، وفي آية أخرى صرح الكبراء فقالوا :
. . . فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
( 39 ) [ الأعراف ] .