هذا عجب عجاب من الشك في اللّه سبحانه وتعالى ، وهناك عجب من الشك فيما يدعو إليه الرسل ، إنهم يدعون إلى أمر نافع في ذاته لا يسوغ للعاقل أن يتشكك فيه أو يرتاب ، وقال تعالى :
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
وهنا أسندت الدعوة إلى اللّه تعالى لتربية المهابة في نفوسهم ، ولتكون النسبة إليه بيانا لوجوده ، ورقابته لهم ولأعمالهم وإشعارا لهم بالهيمنة عليهم ، وقوله تعالى :
لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
،
مِنْ
هنا إما أن تكون بيانية ، ويكون المعنى ( ليغفر لكم ذنوبكم ) وتكون للدلالة على استغراق الغفران لكل الذنوب إذا آمنوا ، فإن الإسلام يجب ما قبله كقوله تعالى :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ . . .
( 38 ) [ الأنفال ] ، وإما أن تكون للتبعيض ، أي ( ليغفر لكم بعض ذنوبكم ) ، وهو ما يتعلق بالشرك ونحوه ، أما ما يتعلق بالمظالم فإنه لا يغفر إلا أن يعفوا أصحابه .
وعندي أن تخريج القول الكريم على أنها بيانية أولى بالأخذ أولا ، لأن جبّ الإسلام لما قبله عام غير خاص بذنب دون ذنب ، وإذا كان الشرك قد غفر فما دونه أولى . وثانيا ، لأنه كان من المشركين من قتلوا وسفكوا فغفر اللّه لهم ذلك ، وحسبك أن اللّه غفر لوحشي قاتل حمزة ، وثالثا : لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم صرح بأن كل دم في الجاهلية موضوع ، وبأن ربا الجاهلية موضوع « 1 » .
وقد ذكر سبحانه أنه يؤخرهم إلى أجل مسمى ، وبعده يكون البعث ، وفي هذا إنذار لهم إن استمروا في ضلالهم يعمهون .
هذا كلام الرسل ، فبما ذا أجابوا ؟ .
أجاب المشركون بتصوير القرآن ذاكرا الإجابة التي اتحدوا فيها على اختلاف قرونهم ليبين للنبي صلى اللّه عليه وسلم ألا يضيق صدرا بما يجادل به مشركو مكة ، فهو حال
هامش
( 1 ) صرح به في خطبة الوداع ، وهي خطبة طويلة ، أخرجها مسلم : الحج - حجة النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 2137 ) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه .