وقد قال الزمخشري في الكشاف في قوله تعالى :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
قال ما خلاصته : كيف كان قوله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب ردا لقولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
؟ فأجاب بأن قوله تعالى يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب كلام جار مجرى التعجب من قولهم ؛ وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية ، وراء كل آية ، فإن جحدوها ولم يعتبروا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم ما أعظم عنادكم ، وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن اللّه يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة ، فلا سبيل إلى اهتدائكم وإن نزلت كل آية « 1 » .
وإن ذلك بيان يليق بمقام الزمخشري في البيان ، وإدراك ملامح القول ، وهو لا ينافي ما بينا من قبل ، وإن زاد معنى التعجب من صلابة تفهم .
وأناب في قوله تعالى :
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
معناها : أقبل إلى الحق ، ودخل في توبة الخير ؛ لأن أناب معناها اللغوي دخل في التوبة ، والمناسب هنا دخوله في توبة الخير .
وقد بين اللّه تعالى الذين أنابوا من الاطمئنان والإيمان فقال :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
( 28 ) .
الَّذِينَ آمَنُوا
بدل أو بيان لقوله تعالى في الآية السابقة :
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
، فهي بدل من قوله :
مَنْ أَنابَ
، وعلى ذلك يكون محل
الَّذِينَ آمَنُوا
، النصب ؛ لأن
مِنْ
محلها النصب ، على أنها مفعول به ل
يَهْدِي
، ويكون قوله تعالى :
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ
الفعل
تَطْمَئِنُّ
يكون معطوفا على
يَهْدِي
، ويكون الفعل المضارع معطوفا على مثله ، وليس في الكلام السامي عطف مضارع على ماض .
هامش
( 1 ) المرجع السابق .