وتعالى نبيه أن يرد عليهم بأن الذي دفع إلى طلب هذه الآية هو ضلالهم ، وإصرارهم على الكفر والعناد ، وقد جاءت هذه الآيات وأشباهها لمن سبقوهم وكفروا وضلوا سواء السبيل ، أمر اللّه نبيه فقال :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
.
أَنابَ
رجع ، أي رجع إليه ، وابتدأ السير في طريق الهداية ، فإن اللّه يأخذه بيده حتى يصل إلى نور ربه ، والمعنى : الذين كتب اللّه تعالى عليهم الضلالة ، وهم الذين ساروا في طريق الغواية يكتبهم سبحانه من الضالين فتعمى قلوبهم عن إدراك ما في الآيات من أمارات الحق وهدايته ، وإن كانت هي في ذاتها منيرة بينة ، أما الذين عادوا إلى ربهم وأنابوا إليه فإنه يهديهم إليه سبحانه وتعالى .
وهذا يفيد أن الذين يريدون آية غير القرآن وغير ما جاء على يديه من خوارق العادات كالإسراء والمعراج إنما يريدون هذه الآية إمعانا في ضلالهم .
وهنا إشارات بيانية نذكرها :
أولاها : التعبير بالمضارع في قوله تعالى :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فيها إشارة إلى تكرار قولهم هذا وهم مبطلون .
الثانية : التعبير بالموصول يدل على أن الصلة علّة الطلب ، فكفرهم هو علة طلبهم ، أي أنهم سبقوا إلى الكفر فاعتنقوه ، ثم حاولوا الاستدلال لتأييده ، فما طالبوا ببراءة ، طالب الحق بل حكموا أولا وأخذوا يتعنتون لإثبات ما هم عليه ومثلهم كمثل القاضي الذي يحكم ثم يحاول تقديم البينة لإثبات ما حكم به .
الثالثة : أن الهداية تكون لمن فتح قلبه للرجوع إلى اللّه ؛ ولذا عبر بالماضي في قوله :
مَنْ أَنابَ
أي من فتح قلبه للإنابة إلى اللّه ، فأخذ اللّه سبحانه وتعالى بيده إلى الحق ، والتعبير بالمضارع في قوله تعالى :
وَيَهْدِي إِلَيْهِ
، للإشارة إلى تكرار الهداية بشرطها من غير إجبار على كفر ، ولا طاعة ، بل الطاعة بالإرادة ، ولذا كان الثواب والمعصية بإرادة العاصي ؛ ولذا كان العقاب .