تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4173

مساهمون:

ص٤١٧٣
وهناك تخريج ثالث ، وهو الذي ضرب على نغمته الزمخشري ، وسار في مساره غيره ، وإن خالفوه في النتيجة ، وذلك التخريج أنهم يسندون إلى اللّه وزرهم في الشرك فيقولون : إن شركهم بمشيئة اللّه وما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن فلو شاء ألا نعبدهم من دونه ما حرمنا ، فكيف نحاسب على أمر شاءه اللّه تعالى ، وبذلك يربطون الأمر بالإرادة ، فيقولون : إن أمرا يجب أن يكون ملازما لإرادته ، ولا يأمر اللّه بشيء لم يرده ، فيقول لهم :
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
، أي ليس على الرسل إلا البلاغ ، وهو تبيين أمر اللّه تعالى فلا تجادلوا ، وأنهم قد بينوا الحق فلا سبيل للتخلص من أمر اللّه ، وأنكم تحسون في ذات أنفسكم بالاختيار وعلى ذلك يكون . ونقول إن التخريج الأول تكون الآية متناسقة في ألفاظها وعباراتها ومعانيها ، والتخريج الأخير يجعل قوله تعالى :
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
وفي ربطه ببقية الآيات تكلف ، ولو كان المخرّج له إمام البلاغة الزمخشري . وهنا إشارات بيانية ترجح التخريج الأول ونشير إليها : الأولى - في قوله تعالى :
كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
، أي فعل ذلك الفعل الذي تفعلون فعل الذين من قبلكم ، وهؤلاء لم يفعلوا بل قالوا ولم يقل : وكذلك قال الذين من قبلكم ، فدل ذلك على أن ما كان منهم ليس مجرد قول بل هو فعل وهو التحدي أو الاستهزاء ، وبذلك يترجح التخريج الأول أو الثاني ولا يترجح الأخير . الثانية - قوله تعالى :
وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
، أي ما حرمنا من غير اللّه من شئ ، بل من ذات أنفسنا . الثالثة - قوله تعالى :
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
الفاء للإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر إذ تقديره إذا كنتم تتحدون وتطلبون إنزال العقاب فليس هذا لنا ، إنما علينا البلاغ الواضح المبين الذي لا يترك ريبة لمرتاب ،