ويوسف الصديق عليه السلام عرف مما علمه ربه المكان الذي يستطيع به إصلاح الأمور ، وعرف مما عبر من رؤيا تعلم تعبيرها من اللّه كيف أمر اقتصادها ولذا قال :
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
أي إني أحفظها من الضياع ، فلا يختلس فيها مختلس ، ولا تضيع فيها الأمانات ، ولا ينفق منها إلا في موضعه ، ولا يبذر فيها ، ولا يقتر في مواطن الإنفاق ، وعليم بما يصلح وما لا يصلح ، وبوجوه الحاجة ، وبوجوه الإسراف ، فلا يخرج مال إلا بحقه ، ولا يجمع إلا بحقه ، وقوله :
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
فيه طلب جعله واليا على أموال الدولة ، و
الْأَرْضِ
المراد بها أرض مصر .
إن هذه المكانة التي وصل إليها يوسف ، الفضل فيها للّه وحده ، ولذا قال تعالى :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
( 56 ) التشبيه هو بين الحال التي تنقل فيها يوسف من الجب والرق والتحكم في مشاعره ، حتى كان كل أحاسيسه ملكا لمن كان عندها ، حتى صار حاكم مصر ، أخصب المناطق في عصره . وإرادة اللّه تعالى التمكين ، أي كهذا الذي رآه القارئ في القصة كان تمكين اللّه ليوسف عليه السلام ، فهذا التشبيه يفيد أن ما كان ليوسف في هذه الأدوار كان بتمكين اللّه .
ثم ختم اللّه تعالى الآية بقوله تعالى :
وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
أي نجزى الذين يتصفون بالإحسان ، والإحسان يقتضى استقامة العقول ، وإخلاص القلوب ، والقول الطيب والعمل الصالح ، وغير ذلك مما يدخل في معنى الإحسان ، وهذا جزاء دنيوي مداره التوفيق في القول والعمل . وفي الآخرة خير منه ، ولذا قال تعالى :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
( 57 ) ( اللام ) لام التوكيد ، والآية الكريمة تبين أن أجر الآخرة خير من هذا الذي رأيناه ليوسف الصديق عليه السلام وإنما يستحقه من كان فيه وصفان :
الوصف الأول : الإيمان ، فقال :
لِلَّذِينَ آمَنُوا
، وقد أطلق الإيمان ، ليشمل الإيمان باللّه تعالى ، وهو رأس الإيمان ، والإيمان بالحق ، والإيمان