الأمر الثاني : إثبات الإعجاز وهو أنه أتى بهذه الأخبار الصادقة عن النبيين السابقين من غير أن يتعلم على معلم ، ومن غير أن يقرأ في كتاب
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
( 48 ) [ العنكبوت ] .
ولذلك كان هذا القصص الحق مع الأسلوب المعجز من دلائل الإعجاز ، ولقد أشار سبحانه إلى ذلك فقال :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ
( 35 ) .
أَمْ
هنا للإضراب الانتقالى أي أنه سبحانه في الأسلوب القرآني الحكيم ينتقل من السير في القصة إلى نهايتها وإلى ما تشير إليه من دلائل الإعجاز ، أي يقولون قصد الكذب في هذا الكلام الدال على صدق الرسالة ، قد يقولون ذلك وهم يعلمون أنه الصادق الأمين الذي لم يعرفوا له كذبا قبل البعث وبعده ، ويأمره اللّه تعالى بأن يقول لهم :
قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ
، قل إن افتريته وكان قصصه كاذبا فإن إجرامه علىّ ، فعلىّ هذا الإجرام أي وباله وإثمه
وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ
فإجرامكم كثير ، إشراك باللّه وأوهام تسيطر عليكم فتحرّمون ما أحل اللّه وتحلون ما حرم اللّه تعالى وتؤذون أهل الحق وتصدون عن سبيل اللّه وتبغونها عوجا ، وإن البراءة من إجرامكم خير لا ريب فيه وهداية لا شية فيها .
وفي قوله تعالى :
إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي
كان التعبير بقوله
إِنِ
لبطلان أصل الافتراء واستحالته ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يعرف عنه كذب قط ، ولأنه يوافق كتب أهل الكتاب التي لم يتلوها من قبل ، ولأنه من اللّه العليم بكل شئ وقوله :
فَعَلَيَّ إِجْرامِي
يفيد أنه عليه السلام يتحمل تبعة قوله وأن إجرامهم ثابت وهو برئ منه .