وإن ضبط النفس يكون في مطوى هذه الشعب ، فلا تكون نفس الصابر رعناء تبئسها الشدة وتقرها النعمة فيكون في اضطراب مستمر ، وهوج في النعم والنقم .
وقد استثنى اللّه تعالى الصابرين ، وذكر في أوصافهم العمل الصالح
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، أي عملوا كل شئ فيه صلاح أنفسهم وجماعتهم ، وصلاح دينهم الذي هو عصمة أمرهم ، وإن اقتران العمل الصالح بالصبر يدل :
أولا : على أن العمل الصالح يقتضى صبرا على الاستمرار فلا بد أن يكون مستمرا دائما ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « أحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قل » « 1 » ، كما أنه قال : « إن اللّه يحب الديمة في الأعمال » « 2 » .
ثانيا : يدل اقتران العمل الصالح بالصبر على أن العمل الصالح يحتاج إلى تحمل بعض المشاق ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لا يقضى اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له ، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وليس ذلك لأحد غير المؤمن » « 3 » .
وقد بيّن سبحانه وتعالى جزاء الصابرين العاملين فقال :
أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
الإشارة إلى أن الجزاء مغفرة ، إذ إن اللّه يستر ما لهم من أعمال غير مقبولة بغفرانه ؛ لأن الصبر والعمل الصالح يستران بذاتهما العمل غير الصالح بأمر اللّه تعالى :
. . . إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . .
( 114 ) ، وبعد هذه المغفرة الساترة يكون الأجر الكبير الذي هو عظيم في ذاته وبلغ قدرا لا يدرك كنهه إلا اللّه معطيه .
هامش
( 1 و 2 ) رواه البخاري : الرقائق - القصد والمداومة على العمل ( 6464 ) ، وبنحوه مسلم : صلاة المسافرين وقصرها - فضيلة العمل الدائم من قيام الليل ونحوه ( 783 ) .
( 3 ) جزء من حديث رواه مسلم : الزهد والرقائق - المؤمن أمره كله خير ( 2999 ) .