بعد ذلك ذكر اللّه تعالى قصة موسى وفرعون ، وذكرها في هذا المقام :
أولا - فرعون أكبر طاغية عرف في تاريخ الإنسانية وطغيان الكبراء من العرب دونه ، وقد أعز اللّه موسى وبني إسرائيل وأهلكه فكان حقا على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يطمئن إلى عزة اللّه تعالى إذ يقول :
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
.
ثانيا - أن فرعون كان مسيطرا جبارا على قومه يراهم ملكا له ، وقد جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم بأنه لا مالك إلا اللّه وأن الناس جميعا عباد له سبحانه .
ثالثا - كان فرعون يتحكم في عقول قومه ويقول لهم :
. . . ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
( 29 ) [ غافر ] ، وجاء محمد صلى اللّه عليه وسلم بحرية النفس والفكر والعقل .
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
( 75 ) .
جاء موسى بالبينة الدالة على رسالته ، وجاء بالعصا التي ألقاها فإذا هي حية تسعى ، وكان قومه على علم بالسحر ، فإذا عرفوا أنها ليست سحرا قامت عليهم الحجة . وكلمة
ثُمَّ
للترتيب والتراخي ، أي أنه بعد أزمان متعاقبة ومتطاولة بعث اللّه موسى وهارون ، ذلك أن موسى سأل اللّه تعالى أن يرسل معه أخاه
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
( 32 ) [ طه ] . أرسلهما اللّه إلى فرعون وملئه ، أي كبراء قومه والذين يحرضونه على الفسق في مصر ، ويمالئونه على ما يدعيه ولم يذكر شعب مصر أي الكثرة الغالبة وكانوا مهملين لا رأى لهم ؛ كما وصفهم عمرو بن العاص في ذكره مصر « هي لمن غلب » ، وقد بادروا بالتكذيب وعجلوا فيه دون أن يتفكروا ويتدبروا حقيقة الدعوة إلى الحق والبينات الشاهدة بأن موسى وهارون مبعوثان من اللّه تعالى ، ولذا قال سبحانه :
فَاسْتَكْبَرُوا
وكان العطف بالفاء للدلالة على المبادرة بالاستكبار ، وفيه تكذيب وعلة للتكذيب ، أي فكذبوا واستكبروا عن الاستماع إلى الحق وأصموا آذانهم ووصفهم اللّه تعالى