تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3555

مساهمون:

ص٣٥٥٥
( الباء ) للمقابلة فإذا كان المحسنون يجازون بالحسنى وزيادة ، فحسب المشركين أن تجازى السيئة بمثلها ، كما يقول تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها . . .
( 160 ) [ الأنعام ] . والمثل كثير إزاء ما ارتكبوا ؛ فالشرك مثله من الجزاء كبير فلا حاجة إلى الزيادة ، وقد ذكر سبحانه وتعالى هنا كلمتين نرى فيهما : أولا :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
( 160 ) الكلمة لا تدل على مجرد ارتكاب الذنوب ، بل تدل على أن هذه الذنوب أشربت بها نفوسهم وكسبتها قلوبهم حتى صارت وكأنها كالجبلّة لهم إن لم تكن كالفطرة منهم . وفي اكتساب السيئات قال سبحانه :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 81 ) [ البقرة ] . ثانيا : كلمة
بِمِثْلِها
أي بمثل السيئة ، وهذا في المقابلة والمشاكلة اللفظية فالجزاء ليس سيئة إنما هو العدالة التي ليست سيئة في ذاتها ، كقوله تعالى :
. . . فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . . .
( 194 ) [ البقرة ] . ولكثرة سيئاتهم وتضافرها أظلمت بها نفوسهم ، ويوم الحساب تظهر ظلمة القلوب ظلاما في وجوههم ، ولذا قال تعالى :
وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً
. هنا تشبيه واستعارة ، أما الاستعارة فهي قوله تعالى :
قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً
وفيها يبدو الليل كأنه الثوب الأسود الذي قطع قطعا . وأما التشبيه في قوله تعالى :
كَأَنَّما أُغْشِيَتْ
أي ألبست وأغطيت بقطع مظلمة ، وهذا تصوير لسواد وجوههم بما اقترفوا ، فقلوبهم المظلمة تكسو وجوههم بالظلام ، وفي هذا التصوير الحسى تصوير معنوي لنفوسهم .
زهرة التفاسير — صفحة 3555 | محمد أبو زهرة