وقد ذكر - سبحانه وتعالى - أن ذلك في مقابل أمرين أو عقاب لأمرين :
أولهما - أنهم نسوا لقاء يومهم هذا مع كثرة النذر ، ومع إرسال الرسل ، ومع أنه يوجبه منطق الحياة ، وأن اللّه تعالى لم يخلق الإنسان سدى ، يأكل ويلعب كالحيوان ، إنما هو مخلوق مدرك ، وأن الدنيا فيها الخير والشر ، وأنه لا بد للخير من أن ينتصر ، ولا بد للشر من أن ينهزم ، وأنه يتناسب مع علو مكانة الإنسان في هذه الأرض .
ثانيهما - ما كانوا بآياتنا يجحدون « ما » هنا على تقدير الكاف ، وهي معطوفة على قوله تعالى :
كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا
، أي أن اللّه تعالى نسيهم ، كما نسوا لقاء يومهم هذا ، وكما كانوا بآياتنا يجحدون ، وجحود الآيات إنكار ما تدل عليه من دلائل التوحيد ، ومعاندتهم لله تعالى ، وتكذيبهم لأنبيائه ، فكان نسيان اللّه تعالى لهم وتركهم في جهنم يصلونها ، من مقابل نسيانهم ، وجزاء لجحودهم .
واللّه على كل شئ قدير .
ولقد بين اللّه - سبحانه وتعالى - أنه ما تركهم هملا من غير كتاب يعلمهم ويهديهم ويرشدهم ، فقال تعالى :
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 52 ) .
ما تركهم رب العالمين سدى من غير هاد ولا مرشد ، بل أعذر إليهم بإنزال كتاب قد فصله على علم بما يدل عليه من عظات ، وما يوجههم إليه من آيات ، فقال تعالى :
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ
أكد مجىء الكتاب لهم ب « اللام » و « قد » ، وقد عبر بأنه جاء إليهم ولم يقل أنزل عليهم ؛ لأنه نزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم والرسول جاء به إليه على أنه معجزته الكبرى ، وكلام اللّه تعالى الذي خاطبهم هم والأجيال القادمة إلى يوم القيامة ، فالمراد من الكتاب القرآن ، وجاء نكرة ومقامه التعريف ؛ للإشارة إلى فخامته ، وإلى أنه كتاب لا يتسامى إلى مثله كتاب .