أولهما - أنهم اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، ودينهم هو ما خوطبوا به من الرسل الذين أرسلوا إليهم ، إذ هو الدين الذي طلبوا بالقيام بحقه ، فأعرضوا عنه ، واتخذوه لهوا وهو ما يلهيهم عن الحق ، ويموّهون به الباطل ، ويتعابثون به على الرسل وأتباعهم وازدرائهم ، وقالوا هم أراذلنا ، فكل هذا ألهاهم عن الحق ، ولم يفكروا أن الدلائل الموصلة بل فكروا في أهواء ضالة . واللعب هو الأعمال العابثة التي لم يكن لها حد مقصود بل ترفع إليه أهواء جامحة كشربهم الخمر ولعبهم بالميسر ، واتخاذهم القيان « 1 » ، وانغماسهم في حياة عابثة .
ثانيهما - أنهم غرتهم الحياة الدنيا بزخرفها ، وشهواتها ، وما ينالون منها ، وظنوها الحياة التي لا حياة بعدها ، فاغترارهم بهذه الحياة جعلتهم ينكرون البعث ، ويقولون :
. . . أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ . .
. ( 5 ) [ الرعد ] .
ولقد كانوا يتهكمون على هذه العقيدة ، ويقولون متهكمين لاعبين : أرجع آباءنا ، أرجع قصيّا ؛ فإنه رجل خير . . . وهكذا كانوا يعبثون بالحقائق ؛ وذلك لأنهم قوم ماديون ، لا يؤمنون بالغيب ، ولا يؤمنون إلا بما يرون ويحسون . وقد نسوا اللّه تعالى ، ونسوا مقدرته في هذا الوجود ، فكان أن تركهم كما تركوه .
ولذا قال تعالى :
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ
.
النسيان على اللّه تعالى لا يجوز ؛ لأنه - سبحانه - لا يغفل عن شئ قلّ أو جلّ ، وكل شئ عنده في كتاب أحصاه لا يتخلف عن علمه شئ ، وأريد بالنسيان لازمه ، وهو الترك بل بعض علماء اللغة يقول : إن الأصل في معنى النسيان هو الترك ، والمعنى في قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ
الذي تجزى فيه كل نفس بما كسبت نتركهم في جهنم يريدون الماء فلا يجدونه إلا في حميم ، ويطلبون الطعام ، فلا يذوقون إلا طعام الزقوم .
هامش
( 1 ) القيان جمع قينة ، وهي الجارية المغنية .