ثانيهما - أن الصبر يقرب من اللّه ؛ لأن فيه ضبط النفس عن الهوى ، وعن الجزع يوم الفزع ، والقرب من اللّه لشد العزائم ، وتثبيت القلوب .
وإن اللّه تعالى يحب الصابرين ، والمحبة أعلى من الراضي الذي هو أكبر الجزاء ، فالمحبة أكبر من الرضوان .
قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 65 ) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
( 66 ) .
كانت غزوة بدر غزوة مباركة إذ انتصر فيها المسلمون قتلوا سبعين ، وساقوا من المشركين سبعين أسيرا من كبار قريش ، وكان المقتولون مثلهم من كبار قريش ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يميل إلى الإبقاء على الأسرى ، سيرا على سنته في الدعوة من أنه يريد الإيمان للمشركين مع حياتهم ، ولا يريد قتلهم كافرين فما كان يحارب لأجل كفرهم ، ولكن كان يحارب لتنفذ الدعوة وتستمر رجاء إيمان الإجماع ، وذلك سبب الميل في إبقاء الأسرى .
واللّه تعالى عاتب نبيه لا على إبقاء الأسرى ، بل عاتبه لأنه أسر ، وليست له قوة قاهرة مستمرة ، عاتبه لأنه في أول واقعة التقى بهم ، وأسر منهم ، بل كان قتلهم في الميدان ، وإثقالهم بالجراح وهو الإثخان ، حتى تكون له قوة قاهرة قاصمة ، ويأسر فيمنّ أو يفدى .