قد حفظه بنصه وقراءاته ، وطريق تلاوته ، فالله سبحانه وتعالى هو الذي رتله ترتيلا ، بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما قال تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
( 32 ) [ الفرقان ] .
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
الفاء هنا للإفصاح ؛ لأنها تومئ إلى شرط مقدر ، والمعنى على هذا : إذا كان الكتاب قد أنزل إليك من لدن الله العلى القدير عالم غيب السماوات والأرض ، وأنه يهيمن على الكتب السابقة ومحفوظ بحفظ الله تعالى إلى يوم الدين ؛ فاحكم بين اليهود والنصارى ومن يعاصرونك من الناس بهذا الذي جاء به ، لأنه نزل لتحكم به أنت ومن يتولى الحكم من بعدك ، ولم يقل سبحانه وتعالى لتحكم به ، بل ترك الضمير ، وعبر بالموصول للإشارة إلى أن السبب الموجب للحكم أنه منزل من عند الله ، إذ إن الموصول إذا كان في ضمن حكم تكون الصلة هي علة الحكم ، والسبب فيه ، وعلى ذلك يكون حكم القرآن وهو حكم الله تعالى الذي لا يختلف باختلاف العصور ، ولا يتغير بتغير الأوقات ؛ لأنه شريعة الله الذي هو بكل شئ عليم ، يعلم الناس وما يصلح لهم في ماضيهم وقابلهم ، وهذا يفيد أن اليهود الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن ، وأنه نسخ ما قبله من الشرائع ، إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص ، أو ما لم يثبت أنه نسخ ، والمعول في الحالين هو القرآن وما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، ولقد روى أنه عليه السلام ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه إلا الإيمان به عليه الصلاة والسلام .
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
الضمير في قوله تعالى :
أَهْواءَهُمْ
يعود إلى اليهود الذين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأرادوا أن يحكموا بما لم ينزل من عند الله ، مع أن الحكم عندهم في التوراة التي بأيديهم منصوص عليه ، ولم ينسخه القرآن الكريم ، وكان مما بقي وهو القصاص العادل .
وقوله تعالى :
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
فيه إشارات بيانية نتكلم فيها ، وذكرها فيه بيان معنى النص الكريم .