أن تثور في قلب أخيه الشرير نوازع الرحمة والمودة والأخوة الواصلة ، ولا تقطعها جفوة الحسد العارضة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا ، فخذوا من خيرهما ودعوا الشر » « 1 » .
ولقد تمت جريمة الأخ الآثم ، ولكن بعد مجاوبات نفسية انتهت بانتصار الشر ، ولذلك قال تعالى :
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ
هذا النص الكريم يدل على أمرين :
أحدهما - أن قابيل الذي قتل أخاه ، ولو أنه أكد عزمته على الاعتداء بقوله :
« لَأَقْتُلَنَّكَ »
كانت نفسه يتردد فيها عاملان : الأول عامل الود والرحم الواصلة ، والثاني عامل الحسد والضغن ، وثانيهما - أن أخاه فيما ساقه من قول كان يريد أن ينمى في نفسه روح المودة والأخوة لتنتصر على الأخرى ؛ ولذلك ما تحرك لمقاومته ، بل تحرك لمراجعته ليثوب إلى نفسه .
ومعنى كلمة « طوعت » قال فيها مفسرو السلف معاني تدل على أن هناك مقاومة في داخل شعوره قبل أن يقع في الجريمة ، وقد فسر مجاهد « طوعت » شجعت ، وفسرها بعض التابعين بسهلت ووسعت ، وبعضهم بزينت وحسنت ؛ وكلها يشير إلى أنه كانت هناك معركة في داخل نفسه بين الخير والشر ، بين الإقدام على الجريمة ، والإحجام عنها ، حتى انتصرت ، وقرأ الحسن بدل « طوعت » « طاوعت » وهذه الصيغة تدل على المشاركة ، وهو يدل على معنى المقاومة ؛ وقد صور السيد رشيد رضا في تفسير المنار معنى المغالبة في النفس تصويرا حسنا فقال :
« إن هذه الكلمة ( طوعت ) تدل على تكرار في حمل الفطرة على طاعة الحسد ، الداعي إلى القتل ، كتذليل الفرس والبعير الصعب ، فهي تمثل لمن يفهمها
هامش
( 1 ) روى ابن جرير عن الحسن مرسلا ، وعن بكر بن عبد الله مرسلا قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا ، فخذوا خيرهما ودعوا شرهما » أورده السيوطي في الجامع ج 2 ، ص 258 ( 5379 ) .