ويثير الفقهاء بحثا في هذا الموضوع ، وهو حول ما قرروه من أن الدفاع عن النفس عند محاولة الجاني للقتل أمر مشروع لا يتجافى مع التقوى ، ويقرر الحنفية أن الشخص إذا تأكد أنه مقتول إذا لم يدفع عن نفسه ولو بالقتل ، يكون الدفاع واجبا حفظا لنفسه ، ويكتفى الأكثرون من الفقهاء بالقول بأن الدفاع يكون مشروعا ، ولا يكون لازما ، وسواء أكان هذا أم ذاك ، فإنه ليس من التقوى أن يقف المجنى عليه مكتوف اليد لا يدافع .
وقد أجاب جمهور الفقهاء بأن التقوى في هذا المقام اختيارية ، أي أنه يختار أي الطريقين . فإما أن يدفع الشر وإما أن يكون عبد الله المظلوم ، ولا يكون عبد الله الظالم ، وليس في كليهما ما ينافي التقوى ، أما الحنفية الذين قالوا : إن الدفاع عن النفس واجب ، فقد قالوا : إن السكوت واعتباره من التقوى كان شرع من قبلنا ، أما شرعنا فهو واضح في قوله تعالى :
. . . فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . . .
( 194 ) [ البقرة ] ونقول : إن موقف ولدى آدم خارج عن موضوع الخلاف ؛ لأن موضوع الخلاف هو في دفع الصائل الذي يجئ ليقتل ، فإنه يجب دفعه ، حتى لا يستشرى شره ، أما هنا فأخ يهدد أخاه بالقتل ، ولو أنه هدده بمثل ما هدده به لدخلا في ملحمة ، ولا يدرى أيهما الغالب ، ويكون هذا داخلا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » ، قالوا : هذا القاتل يا رسول الله ، فما بال المقتول ، فقال صلى الله عليه وسلم : « إنه كان حريصا على قتل صاحبه » « 1 » على أن في الصبر أجرا وقد قال تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
( 126 ) [ النحل ] فهذه القضية خارجة خروجا تاما عن موضع الخلاف ، وخصوصا أن الأمر بين أخوين ، لا بين صائل يضرب بالسيف ابتداء من غير فرصة للموازنة والتفكير .
إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
هذه هي الكلمة الثالثة ، وهي تنبئ عن الباعث الذي جعله يقف ذلك الموقف السلبي ويتخلى حتى عن الدفاع عن نفسه ، والباعث
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الإيمان .