أولهما - أن المراد من القيام إرادة القيام ، وعلل التعبير عن إرادة الفعل ، بكلمة تدل على الفعل بأن ذلك من قبيل المجاز ؛ لأن إرادة الفعل سبب الفعل ، وقد يطلق المسبب ويراد السبب ، كمن يقول إن فلان أسكرنى أي سقاني السكر ، وفوق ذلك إن الفعل يوجد بالقدرة عليه ، وإرادته له . وقصده إليه وميله له وخلوص دواعيه ، وإن هذا كله يسوغ أنه يعبر عن الإرادة مع القدرة والقصد بذات الفعل ، كقوله تعالى :
. . . كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
( 104 ) [ الأنبياء ] .
والجواب الثاني - أن قوله تعالى :
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
معناه : تهيأتم لها واستعددتم ، يقال : قام للأمر إذا تهيأ له وأخذ الأهبة للاستعداد له ، والدخول فيه ، ويرشح لهذا المعنى في نظرنا التعدية ب « إلى » ؛ إذ مؤداه استعددتم وتهيأتم متجهين للصلاة ، وذلك لا يكون بأدائها ، إنما يكون بأخذ الأهبة لها ، والسير إليها .
وإن هذا النص الكريم :
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
، وما اشتمل عليه من عبارات يفيد أمرين بظاهره :
أولهما : أن الوضوء ، وهو يشتمل على الأركان الأربعة وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس ، وغسل الرجلين لا بد فيه من القصد إليه وإرادته ، وعلى ذلك تكون نية الوضوء بالقصد إليه لأجل الصلاة ، باعتبار أن قصده لأجل الصلاة ، لا للنظافة ونحوها - لا بد منها لتحقق الوضوء لأنه للتهيئة لأجل الصلاة .
وقد قال مالك والشافعي ؛ وأحمد والليث بن سعد ؛ وإسحاق بن راهويه ، وأئمة آل البيت : إن النية ركن من أركان الوضوء ومعناها القصد إلى الصلاة بالوضوء طالبا رضا الله تعالى ، وقد فسرها البيضاوي بقوله : « النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا ، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله تعالى ، وامتثال حكمه » .