الآية :
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
بالصفة التي بها اليوم ، والحال التي أنتم عليها منه اليوم دينا ، فالزموه ولا تفارقوه ، أي هذا الرضا كان ذكره أنسب عند الكمال .
وإن كان مصاحبا للشرع في مواضع نزوله .
وقد يسأل سائل لما ذا ذكر الله سبحانه وتعالى قوله تعالت كلماته :
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
في وسط آية محرمات الأطعمة ، ومحللاتها كما سيجئ ، ونقول إن ذلك تنبيه إلى يوم نزول هذه الآيات ، باعتبارها آخر القرآن نزولا ، فكان التنبيه إلى اليوم وهو يوم عرفات ؛ لأنه ذكرى الكمال ، وذكره في جملة معترضة أدعى إلى التنبيه والتذكير .
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
التحريمات السابقة كلها في حال الاختيار ، أما في حال الاضطرار ، بأن يكون الشخص مضطرا للأكل ليدفع عن نفسه الموت جوعا ، فإنه في هذه الحال يجوز الأكل .
والمخمصة : المجاعة التي تورث ضمور البطن ، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم حال الضرورة التي تبيح بعض هذه المحرمات بأن يجئ الصبوح والغبوق ، ولا يجد ما يأكله ، أي يجئ اليوم كله ، ولا يجد طعاما يأكله « 1 » ، وشرط رفع الإثم عن تناول المحرم للضرورة ألا يتجاوز حد الضرورة ؛ لذلك قال تعالى
غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ
أي مائل إليه راغب فيه يتجاوز حد الضرورة ، وهذا يتلاقى مع قوله تعالى في سورة البقرة :
. . . فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . . .
( 173 ) [ البقرة ] .
ومعنى النص الكريم : فمن اضطر إلى تناول المحرم ، وهو في حال جوع شديد وهو غير طالب لهذا المحرم ، ولا يتجاوز حد الضرورة ، فإن الله تعالى يرفع عنه الإثم ؛ لأن الله تعالى غفور رحيم ، فهو رحيم بعباده ؛ ولذا جعل الضرورة مسوغه للمحذور ، وهو غفور يغفر الذنوب ويفتح باب التوبة لعباده .
اللهم ارحمنا واغفر لنا ، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا .
هامش
( 1 ) سبق تخريج ما في معناه من حديث .