أما الرضا فمعناه بالنسبة للذات العلية أن يكون العمل أو القول محل قبوله سبحانه وتعالى والمجازاة عليه ، ولذلك يتصور أن يفعل العباد ما يغضبون الله به سبحانه وتعالى ، وقد جاء في القرآن الكريم عبارات سامية صريحة بأن الله تعالى يغضب على عباده لأفعال فعلوها ، وأن الله تعالى لا يرضى عن بعض أفعال عباده ، فلا يرضى من عباده الكفر ، والرضا لا يكون إلا لأعمال المتقين وهو أعلى أنواع الثواب الذي يثيب الله تعالى به عباده ، ولذلك قال سبحانه بعد ذكر نعيم الجنة :
. . . وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ . . .
( 72 ) [ التوبة ] .
والمحبة مرتبة فوق الرضا ، أو هي أبلغ الرضا ، وقد وعد الله تعالى أهل الإيمان الحق الصادق بأنهم ينالون محبته ، وهي أقصى درجات الرضا .
ومع أن المحبة من الناحية الإيجابية أقصى درجات الرضا ، هي من الناحية السلبية ، تكون في مرتبة الغضب ، فمعنى
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
. أن الله تعالى يبغض الجهر بالكلام الذي هو سوء في ذاته ، ويسئ الناس ، ويؤذى الفضيلة ، فإن ذلك إعلان سيئ الأعمال ، وقبيح الأقوال .
والجهر معناه النطق به في إعلان لا خفاء فيه ؛ ونشر هذا الكلام بين الناس ، وإذاعته بين ربوعهم .
والمعنى الإجمالي للنص السامي أن الله تعالى يبغض الجهر بالأمر السيئ أو الأفعال السيئة . وكل إعلان للمنافق والفاجر من الجهر بالأمر المسىء هو من قبيل الجهر بالسوء من القول ، ف « من » هنا بيانية وهي بيان لنوع السوء بأنه من القول ، وذلك يشمل كل إعلان للأعمال القبيحة ، والترامي بها ، فيشمل القذف والسباب وإعلان المعاصي والجرائم ، وتفصيل القول فيها من غير حاجة إلى بيانها ، ولا إقامة حق في إعلانها ، فإن ذلك كله من سوء القول وفاحشة .
وإن الإسلام في سبيل تكوين رأى عام مهذب نهى عن إعلان الآثام والمفاسد الشخصية ، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أيها الناس من ارتكب شيئا من هذه القاذورات ،