الجريمة علت معها العقوبة ، وإذا نقصت نقصت معها العقوبة ، وهذا دليل على عدل الشريعة ، وعلو الأحكام الإسلامية عن القانون الروماني وغيره من قوانين أهل الدنيا ، ففي القانون الروماني كان العبد إذا زنا بحرة قتل ، وإذا زنا الشريف حكم عليه بغرامة ، فكان هذا ظلما ، ولكن الإسلام قال إن عقوبة العبد على النصف من عقوبة الحر ، فإذا زنا الحر الشريف جلد مائة أو رجم ، وإذا زنا العبد عوقب بخمسين جلدة « 1 » .
وإن الزواج من الإماء هو عند خشية العنت والمشقة ، ولذلك قال سبحانه :
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
العنت المشقة الشديدة التي يخشى منها التلف أو الوقوع في الزنا ، والإشارة في قوله تعالى :
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ
للزواج من الإماء المنوه عنه بقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ
و ( خشي ) معناها خاف من أمر متوقع هو قريب من الواقع ، فالرق بين الخوف والخشية أن الخشية تكون من أمر متوقع قريب الوقوع أو واقع بالفعل ، فكان زواج الإماء لا يباح إلا للضرورة أو للحاجة الشديدة ، ومع ذلك فالصبر أولى ، ولذا قال :
وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ
فتحملوا مشقة الحرمان أولى من زواج الإماء ؛ لأن الولد يكون رقيقا ، وفي ذلك تكثير للرق ، ولأنه لا يمكنه أن يقوم على تربيته وشؤونه ، ولأنها لا يتكون منها مع بقائها على رقها بيت زوجية صالحة ؛ إذ ستكون مطالبة بخدمة وليها ، فالحياة
هامش
( 1 ) قال الآلوسي :فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍأي فإن فعلن فاحشة وهي الزنا وثبت ذلك .فَعَلَيْهِنَّأي فثابت عليهن شرعانِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِأي الحرائر الأبكارمِنَ الْعَذابِأي الحد الذي هو جلد مائة ، فنصفه خمسون ولا رجم عليهن لأنه لا يتنصف . وقال ابن كثير : وقوله :نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِيدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم ، والله أعلم . وقال الثعالبي : والْمُحْصَناتِفي هذه الآية : الحرائر ؛ إذ هي الصفة المشروطة في الحدّ الكامل ، والرّجم لا يتنصّف ، فلم يرد في الآية بإجماع .