تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 902

مساهمون:

ص٩٠٢
والضمير في قوله تعالى :
قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
يحتمل أن يعود على بعض الذين اجتازوا النهر ، ويحتمل أن يعود على الذين استناموا للراحة ولم يجتازوا النهر . وعلى الأول يكون المعنى : إن الذين اجتازوا النهر ، وهم الطائعون الصابرون المعتزمون كانوا فريقين : فريق هاله العدو وكثرته ، فاعتراهم الخوف ، وقالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت ( وهو قائد جيش العدو ) وجنوده ؛ وفريق آخر لم تأخذ فؤاده الكثيرة ولم يذهب قلبه شعاعا ، وهم الذين قال سبحانه وتعالى عنهم :
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ .
وكأنه على هذا التخريج يكون بنو إسرائيل مراتب ثلاثا : أولاها وأدناها : أولئك الذين ارتضوا بالعصيان وخالفوا أمر قائدهم ؛ والثانية : أولئك الذين اجتازوا النهر وأطاعوا ، ولكن هالتهم الكثرة الكاثرة ، وحسبوها الكارثة ؛ والمرتبة العليا هم أولئك الذين آمنوا بلقاء الله تعالى ، وفضلوا الباقية على الفانية ، وباعوا أنفسهم لله سبحانه وتعالى . وعلى أن الضمير في « قالوا » يعود على الذين لم يجتازوا النهر ، يكون المعنى : إن الذين استناموا للراحة ، وآثروا العصيان تقاولوا فيما بينهم وقالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، أي أننا في حاجة إلى الراحة اليوم وإذا نلنا حظنا من الاستجمام والماء فقد يكون اللقاء . وأما الفريق الذين اجتازوا النهر ، فقد وجدوا أنفسهم قلة قليلة أمام جموع كثيرة ، وقد تخلف من إخوانهم الأكثرون ، وقعدوا في الضفة الأخرى مخالفين ، ولكنهم مطمئنون إلى نصر الله وتأييدهم وقد آمنوا بالآخرة فطلبوا الموت لينالوا الحياة ، كما قال الصدّيق خليفة رسول الله : ( اطلب الموت توهب لك الحياة ) وقالوا :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ .
ومعنى لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده : لا قدرة لنا اليوم على ملاقاة جالوت وجنوده ، ولو بتحمل أقصى المشقة ؛ إذ الطاقة معناها أقصى ما يبذل من مشقة لحمل الأمر ، وإذ انتفى ذلك فمعناه أن الأمر مستحيل بالنسبة لقدرهم ، وهذا