. . لم يستطع أولئك البطارقة أن يدجّلوا ويخادعوا ، وكلمات الحق تبين لهم صادقة من لدن عزيز حكيم ، يتلوها مؤمن موقن مثل جعفر بن أبي طالب ، فطأطأوا لها الهام والرؤوس ، وأقروا بعظمتها وأحقّيتها ، ولم يجرؤوا إلا على قول الحقيقة ، وقد اختفت من نفوسهم آثار الرشوة ، وطارت من أذهانهم الوعود الفارغة لموفدي قريش . ولا ندري أكان ذلك خوفا من اللّه تعالى ، في صحوة ضمير ووجدان ، أم خوفا من هذا الملك العادل الذي يلهم الحق ، فينطق به بلا محاباة ولا مواربة ؟ ! . . .
وعلا البشر وجه الملك بعدما سمع رأي أولئك البطارقة فقال بدوره :
- « إن هذا والذي جاء به موسى وعيسى ليخرج من مشكاة واحدة » . .
ثم التفت إلى موفدي قريش ، وقال لهما :
« انطلقا ، واللّه لا أسلمهم إليكما » . .
وخرج المسلمون ظافرين ، منتصرين ، وقد علت كلمة الحق على الباطل ، لأن كلمة الحق تصدر دائما عن الحق . .
بينما ذهب رجلا قريش إلى نزلهما ، وقد أكلتهما الحسرة ليرتميا على فراش الهوان ، حانقين ، غاضبين . .
ولكن هل يهدأ بالدهاة المقام ، أو يغمض جفن لأصحاب المكائد ، بعد أن داسهما الفشل بأرجله ؟ أبدا . . ولذلك قضى عمرو بن العاص ليلته مؤرقا ، وهو يفكر بأن يستغلّ حظوة سابقة له عند ملك
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 477
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٤٧٧