قريش كلها من أجل أن يظلوا ماضين في الاحتكاك بأهل مكة ، ونشر تعاليم الإسلام .
الهجرة الثانية إلى الحبشة
على أنّ تلك التضحية الرائعة ، التي كان يبذلها المسلمون بكل قناعة ، وطيب خاطر ، ما عادت لترضي محمدا رسول اللّه ، لأنها في الواقع لا تؤتي ثمارها المرجوّة ، فكان لا بدّ من أن يقرر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما يراه في صالح المؤمنين . . ولذلك عاد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يأمرهم بالهجرة ثانية إلى أرض الحبشة ويستحثهم على الخروج من مكة ، تفاديا لتلك المصائب التي تحل بهم ، وتنزل عليهم ظلما وعدوانا .
ويجد المسلمون أنفسهم أمام أمر لا مفرّ منه ، فيشق عليهم أن يرغموا على الهجرة . . ولكن ما يحزنهم أكثر هو فراق نبيّهم ، وبقاؤه مع عدد من الصحابة في مكة ، يتحمّلون وحدهم صلافة المشركين وطيشهم ، فيأتيه عثمان بن عفان ( رضي اللّه عنه ) وفي قلبه حرقة ، وفي عينه دمعة ، وهو يقول له :
- يا رسول اللّه ، لقد كانت هجرتنا الأولى ، وهذه الثانية التي تأمرنا بها إلى النجاشي ، ولست معنا . .
فيقول له الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
- أنتم تهاجرون إلى اللّه وإليّ . . لكم هاتان الهجرتان جميعا . .
ويسكت عثمان ، ثم يودّع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ويقول :
- حسبنا اللّه ونعم الوكيل .
وينطلق في هذه الهجرة الثانية ثلاثة وثمانون رجلا ، وإحدى عشرة